المنهج فی ولایه أهل البیت (علیه السلام)
ولهذا نجد العلماء الذین تطرقوا إلى بحث الإمامه، اختلفوا فی طرح حقیقه الإمامه، ولهذا وجد هناک مقامات أربعه للإمام فی کلماتهم:
مقامات الإمام (علیه السلام)
المقام الأول هو المقام التشریعی: وهو أن الإمام یمتلک زمام التشریع بعد النبی الأعظم (صلى الله علیه وآله) .
والمقام الثانی مقام الحاکمیه والمقام السیاسی: ویعنی السلطه الحاکمیه السیاسیه للإمام فی الدوله الإسلامیه.
المقام الثالث المقام الإرشادی: وهو الذی یعنى بشؤون الحیاه:
أما المقام الرابع فهو المقام الوجودی للإمام: وهو مقام التجلی الذی یشکل الواسطه بین الله وعالم الإمکان، وفی هذا المقام الرابع، تنطوی عده أمور:
منها الهدایه التکوینیه نحو الکمال ونحو الهدف الإلهی الذی جعله الله سبحانه وتعالى هدفاً لکل الکائنات، فالإمام بناءً على هذا المقام هو الذی یقود النفوس نحو لقاء الله سبحانه وتعالى بل إن هذا المقام لا ینحصر فی عالم الدنیا بل هو مقام قبل الدنیا وبعدها، وبالنسبه لهذه المقامات الأربعه، نلاحظ أن الأبحاث الکلامیه ، ما رکزت على المقامین الأولین ، ولهذا عُرِّفت الإمامه عند مشهور المتکلمین بأنها ریاسه فی الدین والدنیا، عند المحقق الطوسی وعند العلامه الحلی مثلاً:
وحتى المتأخرین ممن کتبوا فی علم الکلام ساقوا الأدله نحو إثبات هذین المقامین، ونجد أن أکثر الأدله التی أقیمت حول إثبات الإمامه هی أدله لإثبات المقام التشریعی.
أما المقام الثالث وهو ما یعبر عنه فی کثیر من الکلمات بعلم الإمام فی الموضوعات فهذا المقام اختُلِفَ فیه ، فلم یکن هذا المقام مقام متسالم علیه بین جمیع العلماء، حتى کثیر من الفقهاء لا یجزمون بأن للإمام مقام العلم بالموضوعات.
أما المقام الرابع فلا یکاد یوجد فی کلماتهم إلا عند قله من العلماء ومنهم صاحب هذه الندوه عنیت به الإمام الخمینی رضوان الله تعالى علیه، و باعتبار أن البحث هو بحث فی کتاب «الأربعون حدیثاً» فلا بد أن نستفید من قراءه هذا الکتاب حول موضوع ولایه أهل البیت (علیهم السلام) لما یخص هذا الکتاب فقد دخل رضوان الله تعالى علیه على مقامات الأئمه (علیهم السلام) فی هذا الکتاب من بابها الوجودی، لیعطی للإمامه معنى تستغنی به عن کل ما ذکر حول ماهیتها، سواء فی المقام التشریعی، أو مقام الحاکمیه أو حتى المقام الإرشادی، هذا المقام الرابع یمکن أن یحوی کل المقامات التی تقدمت علیه، هذا بالنسبه لمقامات الأئمه (علیهم السلام) ومقامات الإمام فی کلمات العلماء. أما الآلیه التی استخدمها العلماء فی البحث والوصول إلى هذه المقامات فهی على أنحاء ثلاثه:
مناهج البحث فی المقامات
المنهج الأول أو الآلیه الأولى هی المنهج العقلی: وهو الذی اتبعه متکلموا الشیعه وفلاسفتهم الأقدمون تقریباً، حیث ترکز المنهج عندهم فی الأدله العقلیه لإثبات الإمامه.
المنهج الثانی، هو المنهج النقلی الذی تمسک به بعض متکلمین الشیعه والإخباریون من الشیعه، هذا اعتمدوا على روایات أهل البیت (علیهم السلام) فی إثبات الإمامه ومقامات الإمامه.
المنهج الثالث هو المنهج العرفانی الذی اعتمده عرفاء الشیعه وبعض فلاسفتهم المتأخرین منهم، طبعاً الإمام الخمینی فی کتاب «الأربعون حدیثاً» یمزج بین هذه المناهج الثلاثه، إنه لا یرکز على منهج واحد فی بیان حقیقه الإمامه وحقیقه مقام أهل البیت (علیهم السلام) حیث نجده فی هذا الکتاب یدخل فی البحث حول ولایه أهل البیت (علیهم السلام) ، من خلال الروایات ولکن یدخل فی الحدیث کعارفٍ متسلحٍ بالعقل فهو لم یعتمد المنهج العرفانی الخالص ولم یترک العقل جانباً إنما تمسک بالعقل لإقامه الدلیل والبرهان على الحقیقه التی عاشها وانکشفت إلیه وأدرکها ولکن من دون أن ینفصل أو ینسلخ عن ولایه أهل البیت (علیهم السلام) ولیس هذا من باب الإسقاطات العلمیه على الروایات لأنه فی کثیر من الأحیان یحصل أن یسقط البعض المعانی فی ذهنه على النص ولکن الإمام لا یعتمد فقط فی بیان الحقیقه على المکاشفات کما هو المعتمد عند العرفاء بل هذه المکاشفه کان یحاول أن یصبغها بصبغه البرهان والدلیل إما بأدله عقلیه وإما بأدله نقلیه، ولهذا نحن ألقینا نظره على هذا الکتاب کما کنا نراه یختلف عن غیره من المؤلفات، لأنه فی کثیر من الأحیان نجد أن البحث یأخذ منهجاً واحداً فالعارف مثلاً یأخذ منهج العارف فقط، الفیلسوف مثلاً کمنهج عقلی یعتمد المنهج العقلی فقط بشکل تجریدی، والباحث النقلی مثلاً الذی یعتمد على الروایات نجده مثلاً یکثر النظر فقط على الأحادیث الشریفه ولکن الإمام فی هذا الکتاب یمزج بین هذه المناهج الثلاثه، فمثلاً یقول عندما یتعرض للروایات التی تتحدث عن مقام الطاعه لله سبحانه وتعالى، باعتبار أن العرفاء عندما یدخلون إلى هذا المقام، فتشکل طاعه الله سبحانه وتعالى مقاماً وجودیاً للإنسان وهدفاً مسلکیاً یسیر من خلالها الإنسان نحو لقاء الله سبحانه وتعالى، فطاعه الله إذاً فی نظر العرفاء هی أسلوب للوصول إلى الکمال، فهنا یذکر الإمام الخمینی مجموعه من الروایات التی تتحدث عن طاعه الله سبحانه وتعالى بنحوین:
النحو الأول: فی بیان طاعه الأئمه (علیهم السلام) ومقام الأئمه فی مقام الطاعه، ینقل جمله من الأحادیث وجمله من الوقائع التی کان یعیشها الأئمه (علیهم السلام) مع الله سبحانه وتعالى، فی مقابل ذلک، نظره الإنسان المتشیع لأهل البیت (علیهم السلام) التی تحاول أن تجرد الإمام عن الطاعه، حیث کان یرتکز فی أذهان بعض الناس أن مقام الإمام فوق مقام الطاعه، فهنا یرکز الإمام الخمینی على هذا المقام للأئمه (علیهم السلام) فیعطی للإمام الطاعه کهدف ذاتی للإمام وکهدف تشریعی، هدف ذاتی باعتبار أن الإمام بذاته یسعى أن یکون من الطائعین، وهدف تشریعی باعتبار أن الإمام کقیم على هذه الأمه فیهدف تشریعاً إلى إیصال فکره الطاعه إلى الله سبحانه وتعالى من خلال الحثّ على طاعه الله من خلال الأوامر التشریعیه التی یصدرها إلى شیعته.
هنا یوجد عندنا مجموعه من الأحادیث التی یرى الإمام بأنها تحمل التنافی فیما بینها کأحادیث الغلو ، فنجد بأن الأئمه (علیهم السلام) لم یتعرضوا لمقامهم بشکل بدوی ، إنما الناس هم الذین تقولوا علیه، وکان موقف الإمام مقابل هذه الأقاویل هو الرد، فبعض الناس کان یرى بأن للإمام مقاماً فوق مقام الطاعه، فکان الأئمه یردون عن ذلک بالعکس تماماً، بأن الإمام حقیقته کإمام، هو أن یکون فی مقام الطاعه، طبعاً فی هذه الروایات نرى بأن الإمام أولاً یبرز مقام الأئمه کمقام وجودی بحیث أن مقام الطاعه للإمام هو حاله وجودیه لهذا الإمام ولیس هی حاله وجودیه لشخصه کإنسان کامل فقط، بل هذه الحاله الوجودیه تشکل صله الوصل ما بین طاعه العبد وبین طاعه الله سبحانه وتعالى على أساس أن مقام الإمامه یشکل الواسطه فی کل المجالات فی مقام الطاعه ، وفی مقام التشریع ، وفی مقام السیر نحو الله، فی مقام بلوغ الکمال، فالإمامه بشخص الإمام هی الواسطه حیث أن الإمام، یقود الناس وافعالهم وأفکارهم ، إلى الهدف طبعاً فهنا کما یعبر القرآن الکریم «وجعلناهم أئمه یهدون بأمرنا» هذا مقام الهدایه التکوینی، ولیس هدایه تشریعیه ، فوجود الإمام بین ظاهری الناس هو الذی یخولهم أن یصلوا إلى کمالهم.
هنا عندما یطرح الإمام هذه الفکره یحاول أن یستدل علیها فانه باستدلاله کما قلنا لا یدخل فی هذه الروایات دخول العارف فقط، بل یدخل إلیها کعالم کأصولی کفقیه وکمتکلم وکفیلسوف، یعتقد الإمام إنه إذا أمکن تأویل هذه الأخبار، بصوره لا تتضارب مع الأحادیث الصریحه القطعیه، التی تعتبر من ضروریات الدین، إذا أخذنا بالتأویل یعنی أن نفسر هذه الأحادیث التی على خلاف ما نعتقد به من مقام الإمام وأن الإمام هو فی مقام الطاعه لله سبحانه وتعالى فما یأتی من أحادیث على خلاف ذلک فإذا استطعنا أن نأوِّل هذه الأحادیث نأخذ بهذا التأویل بحیث ینسجم مع ما نعتقد به، أو إذا أمکن الجمع بین هاتین الطائفتین على أساس الجمع العرفی أی أن نجمع هذه الروایه إلى الروایه الأخرى ،وان هذه روایه مفسره لتلک . وهذه روایه تتحدث عن مقام غیر هذا المقام، فعند ذلک إن أمکن الجمع بین الروایات بحیث ینتفی التنافی والتعارض بینها عند ذلک نأخذ بهذا الجمع، وإن لم یمکن التأویل ولا الجمع العرفی، نکون أرجعنا علمها إلى قائلها.
الإمام(قدس سره) وقراءه النص
إذاً فهنا الإمام یعتمد على المنهج العقلی فی تقییم الأحادیث وفی بیان مقامات أهل البیت (علیهم السلام) ، وهناک أمرٌ آخر أمر شرعی وهو الإرجاع إلى قائلها وهذا طبعاً أخذه الإمام من الروایات التی تقول إذا لم یستطع الإنسان أن یصل إلى مفهوم الروایات، فیردها إلى أهلها، والإمام إذاً اعتمد على النقل فی هذا المنهج فی الأخذ بالأحادیث عندما تکون هذه الأحادیث تتکلم عن مقامات یعتبرها العارف هی مقامات عرفانیه للإنسان، ثم یقول رضوان الله تعالى علیه بعد عرض عده روایات حول مقامات الأئمه (علیهم السلام) : وطاعته من کون طاعه الله هدفاً ذاتیاً وتشریعیاً . هذه بعض الأحادیث الشریفه الصریحه، فإن هذه الرغبات الکاذبه وهی الرغبات الموجوده عند الإنسان التی قد تکون عند بعض الناس حیث للإمام مقام فوق مقام الطاعه، أو أن مثلاً الأئمه فی مقامات قد یشتبه التعبیر عنها فی کثیر من الأحیان، مع العبارات التی تتناسب مع الباری سبحانه وتعالى فالإمام یعبر عن هذه الکلمات بأنها رغبات کاذبه موجوده عند الإنسان موجوده فینا نحن أهل الدنیا وأهل المعصیه اتجاه هذه الحیاه ، أی أنها خاصه الغلاه ، الغلاه کان یختلج فی صدورهم وفی أنفسهم بعض الأمور والقضایا حیث حاولوا إسقاط هذه القضایا على الأئمه (علیهم السلام) . طبعاً لکی یستفیدون منها فی حیاتهم الدنیا.
یقول: فهذه الرغبات الکاذبه هی فاسده وباطله، وتعبر من الأهواء الشیطانیه ومخالفه للعقل والنقل .کذلک هنا یحکِّم الإمام الخمینی العقل والنقل فی تقییم أی فکره أو أی قضیه یؤمن بها اتجاه أهل البیت (علیهم السلام) فإذا کانت مخالفه للعقل ستکون فاسده وباطله، وإذا کانت مخالفه للنقل الذی یمکن أن یعتمد علیه فتکون فاسده وباطله کذلک ، إذاً من خلال ذلک، نستفید أن فی هذه الکلمات وهذه النصوص من کتابه عندما یبین مقامات أهل البیت (علیهم السلام) ، لا یبین هذه المقامات کعارف فقط، بل کعارف یتسلح بالعقل عندما یخوض غمار الأحادیث الشریفه.
ویقول: إذا لم یکن الجمع مقبولاً فی مکان آخر ولا یمکن التأویل فلا نستطیع فلا تستطیع هذه الروایات من مقاومه تلک الأحادیث الصحیحه المتواتره المؤیده بظاهر القرآن ونصوص الفرقان والعقل السلیم والضروره البدیهیه للمسلمین على أن الأساس هو العمل الصالح والورع. طبعاً هذا نص واضح الاعتماد على العقل والنقل، ولکن یتجلى المنهج العرفانی الخالص فی کتاب الأربعین عندما یتحدث عن حقیقه الإیمان الروحانیه والوجودیه، یقول: «اعلم أنه لا یمکن معرفه روحانیه ومقام خاتم الأنبیاء خاصهً والأنبیاء العظام والأولیاء المعصومین عامهً مع التفکر والتدبر وسیر الأفاق والأنفس» یعنی لا یمکن الوصول إلى مقام النبی الأعظم ومقام الأئمه (علیهم السلام) من خلال التفکر والتدبر، العقلیه لأن هؤلاء الأجلاء من الأنوار الغیبیه الإلهیه والمظاهر التامه للجلال والجمال وآیاتهما الباهره، وقد بلغوا فی سیرهم المعنوی وسفرهم إلى الله الغایه القصوى والفناء فی الذات ومنتهى العروج قاب قوسین أو أدنى رغم أن صاحب المقام بالأصاله هو النبی الخاتم وأن الأنبیاء الآخرین السالکین لتاریخ العروج یتبعون الذات المقدسه للنبی الخاتم (صلى الله علیه وآله).
من الواضح فی هذا النص أن الإمام هنا قد خرج عن النقل والعقل وتحدث عن مقام الأنبیاء والمعصومین کعارفٍ ، عندما یصل هذا العارف یتحدث عن مقام الولایه فإن هذا مقام الولایه الذی هو تجلی من تجلیات الله سبحانه وتعالى کما یعتقد العرفاء فیعتبر الإمام بأن هذا التجلی بصورته الواضحه هو عند النبی وباعتبار أن النبی والأئمه فی صف واحد فعندما یکون باقی الأنبیاء یتبعون النبی الخاتم فی عروجهم وسلوکهم فهم کذلک یتبعون فی عروجهم وسلوکهم الأئمه (علیهم السلام) ، ینقل هذا الحدیث، طبعاً هذا نوع من البحث العرفانی المجرد، عن العقل والنقل ولکن لیست لغه الکتاب هی اللغه العرفانیه الخالصه ، أما باقی النصوص التی تتحدث عن أهل البیت وعن مقام الأولیاء المعصومین فهی دائماً فی هذا الکتاب ممزوجه بالعقل والنقل، إلا هذا النص . وهکذا الأخبار المنقوله فی فضائلهم أخبار کثیره، تبعث على تحیر العقول ولم یقف أحد على حقائقهم وأسرارهم إلا أنفسهم، طبعاً هذا النص واضح أنه یعتمد على النقل بشکل واضح جداً . فان الذی یمکنه إدراک هذا المقام هم أهله یعنی أهل البیت (علیهم السلام) ، طبعاً هذا المقام الذی لا یدرک ولا تکشف حقیقته إلا عند أهل البیت، لم یبقَ هذا المقام غائباً غیاباً کلیاً عنا یعنی عن البشر، حیث انکشف بشکل إجمالی ولهذا الإمام عندما یتعرض لهذه المقامات، یتکلم عن مقامات الأئمه (علیهم السلام) بشکل کأنه فوق مستوى الإدراک البشری ولکنه بالنهایه یتکلم عن مقام یمکن أن یوصف ویدرک بهذا النحو ولکن لا یدرک بشکل تفصیلی بکل أجزائه وبکل تفصیلاته وهذا نوعٌ من أنواع الإدراک یعنی لیس الإدراک دائماً هو إدراک بکل التفاصیل والجزئیات حتى الإدراک بشکل إجمالی هو نوعٌ من الإدراک. الإمام هنا کأنه یفصل بین مقامین فی عملیه إدراک مقام أهل البیت (علیهم السلام) ولهذا یقول إن للأنبیاء والأوصیاء مقاماً شامخاً من الروحانیه یدعى بروح القدس ومن خلاله یتمتعون بالإحاطه العلمیه القیومیه لجمیع الکائنات حتى ذراتها الصغیره جداً .
واضح أن هذا المقام الشامخ المحیط لیس فقط إحاطه علمیه فی کلماتهم بل هو إحاطه قیومیه حیث القیمومه على هذا العالم بکل جزئیاته حتى ذراتها الصغیره . طبعاً هذا المقام الروحانی کما هو للأئمه (علیهم السلام) أو للنبی (صلى الله علیه وآله) هذا المقام لا یمکن للإنسان أن یدرکه بکل تفصیلاته فقط بهذا الشکل الإجمالی طبعاً الإمام هنا فی مقام بیان هذا المقام یذکر فی کتابه أن روح القدس هو مقام وجودی جعله الله سبحانه وتعالى فقط عند أهل البیت عند الأئمه (علیهم السلام) ، وهذا المقام الوجودی واسطه ما بین الله وبین الخلق الموجود بالأئمه (علیهم السلام) ، هو أعظم بکثیر من کل الملائکه کمیکائیل وجبرائیل وإسرافیل الذین یعتبرون فی النص الشرعی من أهم الکائنات الوجودیه بین الله وبین خلقه هذا روح القدس أعظم منهم جمیعاً ،هذا روح القدس موجود عند أهل البیت (علیهم السلام) یعنی هو قوه دعم لأهل البیت (علیهم السلام) فی قیمومیتهم على هذا العالم.
ثم یقول أن مقام هؤلاء الأولیاء أسمى وأرفع من أن تنال أمال أهل المعرفه أطراف کبریاء جلالهم وجمالهم، طبعاً یعنی أهل المعرفه الذین هم فی الدرجه العلیا من المعرفه، حتى آمال هؤلاء لا یمکن أن تنال أطراف کبریاء جلال مقام الأولیاء، یعنی زاویه منه لا یمکن أن تنال من قبل آمال أهل المعرفه فضلاً عن معرفته، وأن تبلغ خطوات معرفه أهل القلوب ذروه کمالهم کذلک لا یمکن لمن سلکوا المسالک القلبیه والعرفانیه بأنفسهم وقلوبهم أن یصلوا إلى ذروه کمال هؤلاء أنه دائماً هم فی درجه أدنى منهم، ثم یتابع وفی الحدیث النبوی الشریف یعنی هذا کتطبیق أقوى مصداق لما یذکره وفی الحدیث النبوی الشریف علیٌ الإمام علی (علیه السلام) : علیٌ مبثوث فی ذات الله تعالى یعنی هکذا یذکر الإمام طبعاً هذا المعنى اللامُدرَک للأئمه (علیهم السلام) مستفاد من الروایات الشریفه حیث ذکر رضوان الله تعالى علیه بعض الروایات استفاد هذا المعنى والمقام للأولیاء الذی هو فوق مقام الأولیاء عند العرفاء، لأن العرفاء عندما یثبتون مقاماً للأولیاء یثبتون مقاماً بمستوى معین یعنی حتى بعض العرفاء یدّعی لنفسه أنه قد وصل إلى هذا المقام یعنی ابن العربی مثلاً یدّعی لنفسه أنه وصل إلى مقام الولایه .
الإمام الخمینی هنا فی هذا الکتاب یقول إن مقام أهل البیت (علیهم السلام) هو فوق الآمال وفوق ما یمکن أن یحلم به الإنسان، وهذا إن دل على شیء فإنما یدل على العرفانیه عند الإمام غیر معهوده إلا عند من عاش بروحه مع کلمات أهل البیت وهذا ما یمتاز به عرفان الإمام الخمینی عن غیره بأنه عرفان اعتمد على الشریعه المقدسه وعلى کلمات أهل البیت (علیهم السلام) فجاء بعرفانیه لیست کعرفانیه العرفاء الباقین ولهذا لم یدعی لنفسه مقاماً کما ادعى غیره من العرفاء بل کان دائماً یجعل نفسه أمام مقام الأئمه (علیهم السلام) أمام مقام الولایه کالتلمیذ الأکثر من ذلک یرى لنفسه أنه لا مقام له ولا وجود له أمام مقام الإمام (علیه السلام) . طبعاً وفی هذا نقطه مهمه عندما یجعل الإمام مقام الأولیاء فوق مستوى الإدراک هناک نقطه أن عدم إدراک مقام المتبوع بشکل مفصل بل بشکل إجمالی تجعل التابع یشد السیر أکثر للوصول إلى المتبوع وکشف مکنونه فالواضح أن کل محجوب مرغوب ، فإذا بقی هذا المقام فی عالم الغیب لیس بشکل مطلق إنما فی جهه إدراک وفی جهه الغیب هنا النفس الإنسانیه تنشد أکثر إلى هذا المقام ولهذا یتکامل الإنسان بشکل أسرع وأکثر ، أما إذا أصبح المقام مقاماً معروفاً ومدرکاً فقد تضعف قوه الإنسان عن السیر نحو هذا الهدف . طبعاً هذا بشرط أن لا یکون مجهولا مطلقاً، طبعاً هنا من یقرأ کتاب الإمام الخمینی هذا یجد بأنه یعتمد على أحادیث ضعاف هنا قد یقول قائل أن مسلک الإمام فی هذا الکتاب یخالف مسلکه فی الأصول لأنه یرى فی الأصول بأن الحجیه لیست للخبر الضعیف بل لخبر الثقه، إذاً کیف نوفّق بین مسلکه کأصولی وبین مسلکه کعارف، خاصه نحن وأن الإمام عندما یدخل فی میدان البحث فی الأحادیث لا یمیز بین عارفٍ وفیلسوف ومتکلم وأصولی أو کفقیه یتسلح بکل هذه العلوم لکی یخوض غمار الأحادیث الشریفه ، فی الجواب الإمام الخمینی أشار فی کلماته، أن الإمام العارف لم یخالف الإمام الأصولی والفقیه لأن ذکره لهذه الروایات الضعاف لیس من باب أنها حجه بنفسها بل من باب أنها واحده من مجموعه روایات تصل إلى حد التواتر ویرکز الإمام کثیراً فی کلماته أن الروایات التی تتحدث عن مقامات أهل البیت تبلغ حد التواتر إذا فیکون کالأخذ بالحجه القطعیه ولیس بالروایه الضعیفه.
وثانیاً: أن الإمام کعارف یدرک الحقیقه بشکل بین فلهذا یکون الحدیث مصداقاً لهذه الحقیقه بحیث یؤمن بالحدیث عن طریق غیر الطریق التعبدی وإنما عن طریق وجدانی ویقطع بهذا الحدیث أنه صادر عن أهل البیت (علیهم السلام) فإذا کان حتى لو کان هذا الحدیث حدیثاً غیر متواتر کان واحداً لکن حصل الاطمئنان بصدوره هذا یکفی فی إثبات الحجیه له حتى لو کان واحداً وحتى لو کان ضعیفاً من ناحیه رجال سنده.
وثالثاً: هناک کبرى تبحث عاده فی علم الأصول أنه هل یکفی الظن فی الاعتقادیات؟ أم أنه لا بد من القطع هناک بحث مفصل اختلف فیه علماء الأصول فهل یکفی الظن سواء کان هذا الظن معتبراً أم غیر معتبر، والظن الذی یشمل الأحادیث غیر المتواتره یعنی روایه أو روایتین أو ثلاث روایات، أو غیر ذلک حتى لو کان الحدیث صحیحاً فإذا قلنا فی باب الاعتقادیات لا یعتمد على الظن حتى لو کان الحدیث صحیحاً لا یمکن الاعتماد علیه، والبعض یرى أن فی فروع الاعتقادیات یمکن الاعتماد على الأخبار إذا کانت صحیحه على کل حال هذا خلاف أصولی موجود عند علماء الأصول حول الأخذ بالأحادیث فی الاعتقادیات إذا کانت الأحادیث لم تبلغ حد التواتر، طبعاً من خلال ذکر هذه المقامات وأن الإمام هو مقام الواسطه بین الله وبین عالم الإمکان وکما یعبر عنه الإمام بأنه هو الفیض الأقدس وبین ما یعبر عنه الإمام بأنه المقام الشامخ، الذی لا یمکن أن یدرک نستفید أن الإمام یفرق بین مقامین مقام التصور ومقام التصدیق أو مقام الثبوت ومقام الإثبات فیمکن أن تصدق بمقامهم من خلال الروایه من خلال الدلیل سواء کان الدلیل عقلیاً أو کان الدلیل عرفانیاً مثل المکاشفه أو حقیقه وصل إلیها الإنسان وعاشها، إذا فیمکن أن تصدق بهذا المقام بما تعرفه وتعلمه ومن خلال الدلیل وبین ویمکن أن تتصور ذلک حیث أنه فی کثیر من الأحیان هناک کثیر من القضایا، تصدق بها ولکن لا یمکن أن تتصورها ومنها هذا، هذا المقام للأئمه (علیهم السلام) کما یطرحه الإمام ، فالإمام یصدق به ولکن لا یمکن تصوره لانه فوق تصور الإدراک البشری ولکن ومع ذلک فقد حاول الإمام فی هذا الکتاب أن یبرز دور العارف الذی تنکشف له الحقیقه وأن یمزج هذه الحقیقه مع الدلیل حتى النقلی منه یعنی هو على مستوى الکشف کشف الحقیقه یعیش هذا المقام وهذا الواقع ولکنه لا یستطیع أن یتصور هذا المقام بشکل دلیل أو بشکل برهان
إذاً هو یعیش هذا المقام باعتبار أن هناک علم إجمالی لهذا المقام ولکنه لا یجد علم تفصیلی لکل جزیئاته إذاً فهو کعارف یمکن أن یدرک هذا المقام بصورته الإجمالیه، ولکن لا یمکن أن یدرک هذا المقام أو یتصوره کفیلسوف أو کمتکلم أو کفقیه وهنا یبرز دوره کعارف رضوان الله تعالى علیه أنه استطاع أن یتصور ما صدّق به کعارف ومع عدم تصوره لهذا المقام بشکل عقلی حاول أن یستدل علیه ولکن لا من خلال العقل لأن هذا المقام باب مسدود الوصول إلیه فالتجئ إلى الأحادیث وإلى الروایات، طبعاً بعد عرض مجموعه من هذه الکلمات لمقام أهل البیت (علیهم السلام) یصل الإمام إلى أن ولایه أهل البیت هی شرط فی قبول الأعمال ولیس شرط فی صحتها کما یقول لأن هناک خلاف بین العلماء هل ولایه أهل البیت شرط فی صحه الأعمال أم هی شرط فی قبولها؟ إذا کانت شرطاً فی صحه الأعمال فکل أعمل غیر الشیعی باطله أما إذا کانت شرطاً فی قبولها فتکون الأعمال صحیحه بحیث لا یجب علیه القضاء مثلاً لو تشیع أو استبصر ولکن لا تکون مقبوله، هنا مقام الإمام لأنه هو الواسطه ما بین الله وبین العبد فی مقام السلوک والسیر نحو الکمال فلا یمکن للإنسان أن یسیر بشکل صحیح إلا من خلال هذا الطریق فلکی ترفع أعماله لتصل به إلى هذا المقام، لا بد أن تسلک طریق أهل البیت (علیهم السلام) من خلال معرفتهم ومن خلال الإقتداء بهم ومن خلال إتباع منهجهم وکلماتهم، ولهذا کانت شرطاً فی قبول الأعمال ولیست شرطاً فی صحتها لأن صحه العمل قد تکون هی فقط فی مقام أن یکون هذا العمل وفق المذهب أو وفق الدلیل الشرعی الخاص ولکن هذا لا یعنی أن هذا العمل قد یصل إلى الهدف.
فالإمام یرید أن یرکز على أن مقام أهل البیت (علیهم السلام) وولایه أهل البیت هی شرط فی أن ترفع هذه الأعمال إلى ساحه رب العزه سبحانه وتعالى ولهذا کان شرطاً فی قبولها عند ذلک أنه یتکلم هنا کعارف ولیس کفقیه فلا یهمه کثیراً أن تکون الأعمال صحیحه أو لیست بصحیحه ولهذا الذی تکون کل أعماله صحیحه ولکن لا یستفید من هذه الأعمال، فی السیر والوصول إلى الکمال للقاء الله سبحانه وتعالى (هذا فی نظر العرفاء) فان صفقته خاسره . إذاً من یسلک ویصل عبر عمله عن طریق أهل البیت (علیهم السلام) هو الذی یصل یعنی هذا الذی یکون عند العرفاء سیره وسلوکه صحیحاً . طبعاً هناک نص أخیر یصور فیه الإمام مقام الأئمه (علیهم السلام) ویربط هذا المقام بالحب الذاتی للإمام فلأنهم عاشوا الحب لله سبحانه وتعالى کان لهم هذا المقام وهو نص طویل قلیلاً ویحاول الإمام أن یربط هذا المقام لکی یستدل على هذا المقام ویستفیده من الروایات. من أراد المطالعه فلیراجع الکتاب صفحه ۶۶۰ .
إذاً هناک أمور ثلاثه یعتمدها الإمام فی قراءه النص، إما التأویل، وإما الجمع وإما رد علمها إلى أهلها، طبعاً هذا النص فیه عده أمور، منه ما هو عقلی ومنه ما هو نقلی، فعندما یقول الأحادیث الصریحه القطعیه یمکن أن یکون هذا القطع لأن ما نقطع به من خلال عقل قد یشکل حداً لأی نص شرعی آخر، ولهذا تعتبر الأحکام العقلیه البدیهیه حدود للنص الشرعی، فلا یمکن للنص الشرعی أن یتجاوز الأحکام العقلیه البدیهیه، فالقطعی قد یکون عقلیاً .