التناقض الصارخ بین واقع دوله الخلافه والشریعه الإلهیه
لذلک فلا یخشى منه إساءه استعمال السلطه أو استغلال الصلاحیات الهائله المخوله له کرئیس بموجب القانون الإلهی ، لأن عصمته والتزامه بالشرعیه الإلهیه وفهمه الیقینی لها ضمانات حقیقیه ضد الانحراف أو إساءه استعمال السلطه .
وکان من المفترض أن تنتقل الإمامه أو الرئاسه العامه أو خلافه النبی بعد وفاه النبی إلى ذلک الشخص الذی أعده الله لهذه المهمه لیتابع طریق النبوه ویتم ویکمل ما لم یتحقق من برامجها هذا هو التنظیر الدینی للرئاسه وهذا هو حکم الإسلام .
أما على صعید الواقع فالأمر قد اختلف جدا ، فالمؤهل الوحید لکل اللذین خلفوا النبی بالرئاسه العامه هو التغلب والقهر ، فأی شخص یغلب على الرئاسه العامه أو الخلافه یتقلدها ، والمتغلب أو القاهر شخص عادی من جمیع الوجوه ، فلم یدع أحد من الخلفاء بدءا من الأول وانتهاء بآخر خلفاء بنی عثمان بأنه الأعلم والأفضل والأتقى والأقرب لله ولرسوله ، بل صرح أول الخلفاء قائلا : " فإنی قد ولیت علیکم ولست بخیرکم . . . " ( 1 ) .
فالخلیفه الأول صدق فی ما قال ، واعترف صراحه وضمنا بأن بین المخاطبین من هو أعلم وأفضل وأقرب لله ولرسوله منه ، ومع هذا فقد تولى الخلافه رسمیا لأنه الغالب ، وعلى الأمه أن تقبل ذلک شاءت أم أبت ، وأن تبایعه راضیه أو کارهه لأنه غالب ، ولنفترض أن جماعه من المسلمین قد رفضت بیعته ، فلیس بینه وبینها إلا السیف ، فمن یغلب فهو الخلیفه وهو القائم مقام الرسول ( ۲ )
ولتبریر ذلک قالوا بجواز إمامه المفضول عند عارض یمنع من نصب الفاضل ( ۳ )
وقال القاضی فی المواقف : جوز الأکثرون إمامه المفضول مع وجود الفاضل إذ لعله أصلح للإمامه من الفاضل . . .
وقال الشریف الجرجانی : کما إذا فرض أن العسکر والرعیه لا ینقادون للفاضل بل للمفضول ( ۴ ) .
ــــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبقات لابن سعد ج ۲ ف ۲ ص ۷۸ طبعه لیدن .
( ۲ ) الأحکام السلطانیه للماوردی ص ۷ – ۸ و ۷ – ۱۱ ، والأحکام السلطانیه لأبی یعلى ص ۱۵ .
( ۳ ) التمهید للباقلانی تحقیق عماد الدین أحمد حیدر ص ۴۹۴ ، والسنه بعد الرسول للسید علی الشهرستانی ، تراثنا عدد ۵۹ و ۶۰ ص ۱۱۸ .
( ۴ ) شرح المواقف ج ۳ ص ۳۷۹ ، وانظر المرجعین السابقین . ( * )
فحسب قواعد القانون الإلهی فإن الإمام من بعد النبی هو علی بن أبی طالب ، ومن المفترض أن تنقاد له الأمه لأن الله قد اختاره وأعلنه رسوله ، ولکن تتحرک فئه معینه لا یعجبها هذا الاختیار فتدعی أن الناس لا ینقادون لهذا الذی اختاره الله ورسوله ثم تستقطب الناس حولها ، ثم تنصب خلیفه ، وتجیر الناس على بیعه هذه الخلیفه ثم تدعی أن الفتنه قد انقطعت بهذا الخلیفه لذلک هو أولى من الفاضل مع أنه مفضول وهکذا تتعطل نصوص القانون الإلهی ، وتسود القوانین التی یضعها الغالب ! !
وهنا تقع المشکلات فالسلطه الفعلیه والأمر والنهی بید الخلیفه الفعلی القائم مقام النبی والمفروض بالقوه والتغلب ، وبهذه الحاله فإن هذا الخلیفه الفعلی الواقعی لا یعرف الحکم الشرعی ، ولا المقاصد الشرعیه ، ولا برامج النبوه ، ولا معنى کل آیه ولیس محیطا بالبیان النبوی ، ولیس لدیه علم یقینی لا بالماضی ولا بالحاضر ولا بالمستقبل ، لأنه أصلا غیر معد ولا مؤهل لهذه الأمور ! !
ولکن بوصفه الحاکم الفعلی فإن علیه أن یدیر أمور الدوله ، فإذا رجع إلى الإمام الشرعی فإنه سیضطر للرجوع إلیه دائما ، وفی هذا حط من مقام الخلیفه واعتراف ضمنی وعلنی بأن الإمام الشرعی هو المؤهل الوحید ! !
ولکن الخلیفه الجدید وأعوانه لن یعترفوا بذلک بل سیتجاهلون القوانین الإلهیه التی لا یعرفونها ویسیرون شؤون الحکم بالرأی لا بالشرع ، فهم وإن کانوا لا یعرفون الشرع إلا أنهم کأی واحد من البشر یعرفون الرأی مهما کان وزنه ، لذلک یترک الخلیفه وأعوانه الشرع الإلهی أو القوانین الإلهیه ، التی لا یحیطون بها ، ولا یجیدون الحکم وفق أحکامها المفصله ویجتهدون أو یعملون بالرأی ، أو یخترعون أحکاما وضعیه من آرائهم الشخصیه ! !
أما على مستوى الولایات والإمارات على الأقالیم والجیوش فقد رأینا أن الموازین والمقاییس التی اخترعها الخلفاء لاختیار الأمراء والولاه والعمال ، فکانوا یصرفون أمور أقالیمهم وفق الآراء الشخصیه ، ولنأخذ على سبیل المثال عبد الله بن سرح الذی افترى على الله الکذب ، والموسوم بأنه عدو لله ولرسوله لقد أمر الرسول بقتله حتى لو تعلق بأستار الکعبه ، ویوم فتح مکه أمر الرسول بالبحث عنه وقتله ، فلجأ ابن سرح إلى أخیه فی الرضاعه عثمان بن عفان فغیبه عثمان وأخفاه عن العیون وفی یوم من الأیام بعد الفتح بفتره جاء به عثمان إلى رسول الله فاستأمنه ، فصمت الرسول طویلا قبل أن یعطیه الأمان ثم قال نعم . فلما انصرف عثمان قال الرسول لمن حوله " ما صمت إلا لیقوم إلیه بعضکم فیقتله " فقال رجل من الحاضرین فهلا أومأت إلی یا رسول الله ! ! فقال الرسول : " إن النبی لا ینبغی أن تکون له خائنه أعین " ( 1 )
وأصبح ابن أبی سرح طلیقا ، ومن المؤلفه قلوبهم ، وبعد موت الرسول مباشره أصبح ابن أبی سرح من أصفیاء الخلفاء ومن أهل الحل والعقد وفی عهد عثمان أسندت إلیه إماره مصر وهی تاج الولایات الإسلامیه ، ومر حین من الدهر کان ابن أبی سرح هو الرجل الثالث فی الدوله الإسلامیه ، مع أنه الأظلم بنص القرآن ، ومع أنه الذی افترى على الله الکذب بنص القرآن ، ومع أنه موسوم بأنه عدو لله ولرسوله . فکیف بربک یطبق الإسلام من کان هذا وضعه ، وکیف یعلم المصریین دین الله .
هذه الکوادر الفنیه التی حلت عرى الإسلام کلها ، ورکزت المعالم الواقعیه لعصر ما بعد النبوه ، ومن خلال البرامج التربویه والتعلیمیه التی فرضتها على المسلمین قرابه قرن من الزمان ، ومن خلال هذه المناهج خلطوا الأوراق خلطا عجیبا ، فبدلوا وعدلوا ، وباعدوا الهون بین الواقع المفروض وبین القانون الإلهی أو الشرعیه الإلهیه ، ولم یبق من الإسلام إلا کتاب الله ، وأهل بیت النبوه ، لمواجهه برامج تربویه وتعلیمیه مدعومه من دوله عظمى ، ومع اختلاط العرب بالأمم المغلوبه ، وامتزاج الحضارات بدأت الأذهان بالتفتح ، وبدأ الناس یتساءلون عن حجم الهوه بین الواقع والشرعیه الإلهیه ، فلم یر الخلفاء بدا من منع کتابه وروایه أحادیث رسول الله حتى لا یقف الناس على الحقائق الشرعیه وحجم التناقض الهائل بین الواقع المفروض وبین أحکام الشریعه الإلهیه ! !
ــــــــــــــــــ
( ۱ ) ترجمه ابن أبی سرح فی الاستیعاب ج ۲ ص ۳۷۸ ، والإصابه لابن حجر ج ۲ ص ۳۰۹ ، وأسد الغابه ج ۳ ص ۱۷۳ . ( * )