کلام فی عصمه الأنبیاء
ونعنی بالعصمه : وجود أمر فی الإنسان المعصوم یصونه عن الوقوع فیما لا یجوز من الخطأ أو المعصیه .
وأمّا الخطأ : فی غیر باب المعصیه وتلقّی الوحی والتبلیغ ـ وبعباره أخرى فی غیر باب أخذ الوحی وتبلیغه والعمل به ، کالخطأ فی الأمور الخارجیه نظیر الأغلاط الواقعه للإنسان فی الحواس وإدراکاتها أو الاعتباریّات من العلوم ، ونظیر الخطأ فی تشخیص الأمور التکوینیه من حیث الصلاح والفساد والنفع والضرر ونحوها ـ فالکلام فیها خارج عن هذا المبحث .
وکیف کان فالقرآن یدلّ على عصمتهم (علیهم السلام) فی جمیع الجهات الثلاث :
أمّا العصمه عن الخطأ فی تلقّی الوحی وتبلیغ الرساله :
۱ ـ فیدلّ علیه قوله تعالى فی الآیه : ( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِیِّینَ مُبَشِّرِینَ وَمُنْذِرِینَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْکِتَابَ بِالْحَقِّ لِیَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ فِیمَا اخْتَلَفُوا فِیهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِیهِ إِلاَّ الَّذِینَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَیِّنَاتُ بَغْیاً بَیْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِیهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ … ) ( سوره البقره : الآیه : ۲۱۳ ) ، فإنّه ظاهر فی أنّ الله سبحانه إنّما بعثهم بالتبشیر والإنذار وإنزال الکتاب ( وهذا هو الوحی ) ؛ لیبیّنوا للناس الحق فی الاعتقاد والحق فی العمل ، وبعباره أخرى : لهدایه الناس إلى حق الاعتقاد وحق العمل ، وهذا هو غرضه سبحانه فی بعثهم .
وقد قال تعالى : ( لاَ یَضِلُّ رَبِّی وَلاَ یَنْسَى ) ( سوره طه : الآیه : ۵۲ ) ، فبیّن أنّه لا یضلّ فی فعله ولا یخطئ فی شأنه ، فإذا أراد شیئاً فإنّما یریده من طریقه الموصِل إلیه من غیر خطأ ، وإذا سلک بفعل إلى غایهٍ فلا یضلّ فی سلوکه ، وکیف لا وبیده الخلق والأمر وله الملک والحُکْم ، وقد بعث الأنبیاء بالوحی إلیهم وتفهیمهم معارف الدین ولابدّ أنْ یکون ، وبالرساله لتبلیغها للناس ولابدّ أنْ یکون .
وقال تعالى أیضاً : ( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْراً ) ( سوره الطلاق : الآیه : ۳ ) ، وقال أیضاً : ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) ( سوره یوسف : الآیه : ۲۱ ) .
۲ ـ ویدل على العصمه عن الخطأ أیضاً قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَیْبِ فَلاَ یُظْهِرُ عَلَى غَیْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِیَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَیْهِمْ وَأَحْصَى کُلَّ شَیْءٍ عَدَداً ) ( سوره الجن : الآیه : ۲۶ ـ ۲۸ ) ، فظاهره أنّه سبحانه یختصّ رسلَه بالوحی فیُظهِرهم ویؤیّدهم على الغیب بمراقبه ما بین أیدیهم وما خلفهم ، والإحاطه بما لدیهم ؛ لحفظ الوحی عن الزوال والتغیّر بتغییر الشیاطین وکل مغیِّر غیرهم ؛ لیتحقّق إبلاغهم رسالات ربّهم ، ونظیره قوله تعالى حکایه عن قول ملائکه الوحی : ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّکَ لَهُ مَا بَیْنَ أَیْدِینَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَیْنَ ذَلِکَ وَمَا کَانَ رَبُّکَ نَسِیّاً ) ( سوره مریم : الآیه : ۶۴ ) ، دلّت الآیات على أنّ الوحی من حین شروعه فی النزول إلى بلوغه النبی إلى تبلیغه للناس محفوظ مصون عن تغییر أیّ مغیِّر یغیّره .
وهذان الوجهان من الاستدلال وإنْ کانا ناهضین على عصمه الأنبیاء (علیهم السلام) فی تلقّی الوحی وتبلیغ الرساله فقط دون العصمه عن المعصیه فی العمل على ما قررنا ، لکن یمکن تتمیم دلالتهما على العصمه من المعصیه أیضاً بأنّ الفعل دالّ کالقول عند العقلاء فالفاعل لفعل یدلّ بفعله على أنّه یراه حسناً جائزاً ، کما لو قال : إنّ الفعل الفلانی حسن جائز ، فلو تحقّقت معصیه من النبی وهو یأمر بخلافها لکان ذلک تناقضاً منه ، فإنّ فعله یناقض حینئذ قوله فیکون حینئذ مبلّغاً لکلا المتناقضین ولیس تبلیغ المتناقضین بتبلیغ للحقّ ، فإنّ المخبِر بالمتناقضین لم یُخْبِر بالحقّ لکون کل منهما مبطِلاً للآخر ، فعصمه النبی فی تبلیغ رسالته لا تتمّ إلاّ مع عصمته عن المعصیه وصونه عن المخالفه کما لا یخفى .
ویدلّ على عصمتهم مطلقاً قوله تعالى : ( أُولَئِکَ الَّذِینَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ … ) ( سوره الأنعام : الآیه : ۹۰ ) ، فجمیعهم (علیهم السلام) کتب علیهم الهدایه .
وقد قال تعالى : ( … وَمَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ … ) ( سوره الزمر : الآیه : ۳۶ ـ ۳۷ ) .
وقال تعالى : ( … مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ … ) ( سوره الکهف : الآیه : ۱۷ ) ، فنفى عن المهتدین بهدایته کلّ مضلّ یؤثّر فیهم بضلال ، فلا یوجد فیهم ضلال ، وکلُّ معصیهٍ ضلالٌ کما یشیر إلیه قوله تعالى : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَیْکُمْ یَا بَنِی آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّیْطَانَ إِنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُبِینٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِی هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِیمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْکُمْ جِبِلاًّ کَثِیراً … ) ( سوره یس : الآیه : ۶۰ ـ ۶۲ ) ، فعَدَّ کلّ معصیه ضلالاً حاصلاً بإضلال الشیطان بعدما عدّها عباده للشیطان ، فإثبات هدایته تعالى فی حقّ الأنبیاء (علیهم السلام) ، ثمّ نفى الضلال عمّن اهتدى بهداه ، ثمّ عدّ کل معصیه ضلالاً تبرئه منه تعالى لساحه أنبیائه عن صدور المعصیه منهم ، وکذا عن وقوع الخطأ فی فهمهم الوحی وإبلاغهم إیّاه .
ویدلّ علیها أیضاً قوله تعالى : ( وَمَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِکَ مَعَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَالصِّدِّیقِینَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِینَ وَحَسُنَ أُولَئِکَ رَفِیقاً ) ( سوره النساء : الآیه : ۶۸ ) .
وقال أیضاً : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیمَ * صِرَاطَ الَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلاَ الضَّالِّینَ ) ( سوره الحمد : الآیه : ۶ ـ ۷ ) ، فوصف هؤلاء الذین أنعم علیهم من النبیین بأنّهم لیسوا بضالّین ، ولو صدر عنهم معصیه لکانوا بذلک ضالّین وکذا لو صدر عنهم خطأ فی الفهم أو التبلیغ ، ویؤیّد هذا المعنى قوله تعالى فیما یصف به الأنبیاء : ( أُولَئِکَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ مِنْ ذُرِّیَّهِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّیَّهِ إِبْرَاهِیمَ وَإِسْرَائِیلَ وَمِمَّنْ هَدَیْنَا وَاجْتَبَیْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَیْهِمْ آیَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُکِیّاً * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَهَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیّاً ) ( سوره مریم : الآیه : ۵۸ ـ ۵۹ ) ، فجمع فی الأنبیاء أوّلاً الخصلتین : أعنی الإنعام والهدایه حیث أتى بـ (مِن) البیانیّه فی قوله : ( وَمِمَّنْ هَدَیْنَا وَاجْتَبَیْنَا ) بعد قوله : ( أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ ) ، ووصفهم بما فیه غایه التذلّل فی العبودیه ، ثمّ وصف الخَلْف بما وصف من أوصاف الذم ، والفریق الثانی غیر الأوّل ؛ لأنّ الفریق الأوّل رجال ممدوحون مشکورون دون الثانی ، وإذ وَصف الفریق الثانی وعرّفهم بأنّهم اتّبعوا الشهوات وسوف یلقون غَیّاً ، فالفریق الأوّل وهم الأنبیاء ما کانوا یتّبعون الشهوات ولا یلحقهم غیّ ، ومن البدیهی أنّ مَن کان هذا شأنه لم یجز صدور المعصیه عنه ، حتى أنّهم لو کانوا قبل نبوّتهم ممّن یتّبع الشهوات لکانوا بذلک ممّن یلحقهم الغیّ لمکان الإطلاق فی قوله : ( أَضَاعُوا الصَّلاَهَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیّاً ) .
وهذا الوجه قریب من قول مَن استدلّ على عصمه الأنبیاء من طریق العقل ، بأنّ إرسال الرسل وإجراء المعجزات على أیدیهم تصدیق لقولهم .
فلا یصدر عنهم کذب وکذا تصدیق لأهلیَّتِهم للتبلیغ ، والعقل لا یَعدُّ إنساناً یصدر منه المعاصی والأفعال المنافیه لمرام ومقصد ـ کیف کان ـ أهلاً للدعوه إلى ذلک المرام ، فإجراء المعجزات على أیدیهم یتضمّن تصدیق عدم خَطَئِهِم فی تلقّی الوحی وفی تبلیغ الرساله وفی امتثالهم للتکالیف المتوجهه إلیهم بالطاعه .
ولا یَرِدُ علیه : إنّ الناس وهم عقلاء یتسبّبون فی أنواع تبلیغاتهم وأقسام أغراضهم الاجتماعیه بالتبلیغ ممّن لا یخلو عن بعض القصور والتقصیر فی التبلیغ ، فإنّ ذلک منهم لأحد أمرین لا یجوز فیما نحن فیه : إمّا لِمَکان المسامحه منهم فی الیسیر من القصور والتقصیر ، وإمّا لأنّ مقصودهم هو البلوغ إلى ما تیسّر من الأمر المطلوب ، والقبض على الیسیر والغضّ عن الکثیر ، وشیء من الأمرین لا یلیق بساحته تعالى .
ولا یَرِدُ علیه أیضاً : ظاهر قوله تعالى : ( … فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَهٍ مِنْهُمْ طَائِفَهٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَلِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ ) ( سوره التوبه : الآیه : ۱۲۲ ) ، فإنّ الآیه وإنْ کانت فی حقّ العامّه من المسلمین ممّن لیس بمعصوم ، لکنّه إذن لهم فی تبلیغ ما تعلّموا من الدین وتفقّهوا فیه، لا تصدیق لهم فیما أنذروا به وجعل حجّیّه لقولهم على الناس، والمحذور إنّما هو فی الثانی دون الأوّل .
وممّا یدلّ على عصمتهم (علیهم السلام) قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِیُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ) ( سوره النساء : الآیه : ۶۴ ) ، حیث جعل کون الرسول مطاعاً غایه للإرسال ، وقصر الغایه فیه ، وذلک یستدعی بالملازمه البیّنه تعلّق إرادته تعالى بکلّ ما یُطاع فیه الرسول وهو قوله أو فعله ؛ لأنّ کلاًّ منهما وسیله معموله متداوله فی التبلیغ ، فلو تحقّق من الرسول خطأ فی فَهْم الوحی أو فی التبلیغ کان ذلک إراده منه تعالى للباطل ، والله سبحانه لا یرید إلاّ الحق .
وکذا لو صدر عن الرسول معصیه قولاً أو فعلاً ، والمعصیه مبغوضه منهیّ عنها لکان بعینه متعلّق إرادته تعالى فیکون بعینه طاعه محبوبه فیکون تعالى مریداً غیر مرید ، آمراً وناهیاً ، محبّاً ومبغضاً بالنسبه إلى فعل واحد بعینه ـ تعالى عن تناقض الصفات والأفعال علوّاً کبیراً ـ وهو باطل ، وإنْ قلنا بجواز تکلیف ما لا یطاق على ما قال به بعضهم ، فإنّ تکلیف ما لا یطاق تکلیف بالمحال وما نحن فیه تکلیف نفسه محال ؛ لأنّه تکلیف ولا تکلیف ، وإراده ولا إراده ، وحب ولا حب ، ومدح وذم بالنسبه إلى فعل واحد ! وممّا یدلّ على ذلک أیضاً قوله تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِینَ وَمُنْذِرِینَ لِئَلاَّ یَکُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّهٌ بَعْدَ الرُّسُلِ … ) ( سوره النساء : الآیه : ۱۶۵ ) ، فإنّ الآیه ظاهره فی أنّ الله سبحانه یرید قطع عذر الناس فیما فیه المخالفه والمعصیه وأنْ لا قاطع للعذر إلاّ الرسل (علیهم السلام) ، ومن المعلوم أنّ قطع الرسل عذر الناس ورفعهم لحجّتهم إنّما یصحّ إذا لم یتحقّق فی ناحیتهم ما لا یوافق إراده الله ورضاه : من قولٍ أو فعل ٍ، وخطأ أو معصیه ، وإلاّ کان للناس أنْ یتمسّکوا به ویحتجّوا على ربّهم سبحانه وهو نقض لغرضه تعالى .
فإنْ قلتَ : الذی یدلّ علیه ما مرّ من الآیات الکریمه هو أنّ الأنبیاء (علیهم السلام) لا یقع منهم خطأ ولا یصدر عنهم معصیه ولیس ذلک من العصمه فی شیء ، فإنّ العصمه على ما ذکره القوم قوّه تمنع الإنسان عن الوقوع فی الخطأ ، وتردعه عن فعل المعصیه واقتراف الخطیئه ، ولیست القوّه مجرّد صدور الفعل أو عدم صدوره وإنّما هی مبدأ نفسانی تصدر عنه الفعل کما تصدر الأفعال عن الملکات النفسانیه .
قلتُ : نعم ، لکنّ الذی یحتاج إلیه فی الأبحاث السابقه هو عدم تحقّق الخطأ والمعصیه من النبی (علیه السلام) ، ولا یضرّ فی ذلک عدم ثبوت قوه تصدر عنها الفعل صواباً أو طاعه وهو ظاهر .
ومع ذلک یمکن الاستدلال على کون العصمه مستنده إلى قوّه رادعه بما مرّ فی البحث عن الإعجاز من دلاله قوله تعالى : ( … إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْراً ) ( سوره الطلاق : الآیه : ۳ ) ، وکذا قوله تعالى : ( … إِنَّ رَبِّی عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ ) ( سوره هود : الآیه : ۵۶ ) ، على أنّ کلاًّ من الحوادث یحتاج إلى مبدأ یصدر عنه وسبب یتحقّق به ، فهذه الأفعال الصادره عن النبی (علیه السلام) على وتیره واحده صواباً وطاعه تنتهی إلى سبب مع النبی (علیه السلام) وفی نفسه وهی القوّه الرادعه ، وتوضیحه :
أنّ أفعال النبی المفروض صدورها طاعه أفعال اختیاریه من نوع الأفعال الاختیاریه الصادره عنّا التی بعضها طاعه وبعضها معصیه ، ولا شکّ أنّ الفعل الاختیاری إنّما هو اختیاری بصدوره عن العلم والمشیّه ، وإنّما یختلف الفعل طاعه ومعصیه باختلاف الصوره العلمیه التی یصدر عنها ، فإنْ کان المقصود هو الجَرْی على العبودیه بامتثال الأمر مثلاً تحقّقت الطاعه ، وإنْ کان المطلوب ـ أعنی الصوره العلمیه التی یُضاف إلیها المشیّه ـ اتّباع الهوى واقتراف ما نهى الله عنه تحقّقت المعصیه ، فاختلاف أفعالنا طاعه ومعصیه لاختلاف علمنا الذی یصدر عنه الفعل ، ولو دام أحد العلمین أعنی الحکم بوجوب الجری على العبودیه وامتثال الأمر الإلهی لَمَا صدر إلاّ الطاعه ، ولو دام العلم الآخر الصادر عنه المعصیه ( والعیاذ بالله ) لم یتحقّق إلاّ المعصیه ، وعلى هذا فصدور الأفعال عن النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم بوصف الطاعه دائماً لیس إلاّ لأنّ العلم الذی یصدر عنه فعله بالمشیّه صوره علمیه صالحه غیر متغیّره ، وهو الإذعان بوجوب العبودیه دائماً ، ومن المعلوم أنّ الصوره العلمیه والهیئه النفسانیه الراسخه غیر الزائله هی الملکه النفسانیه کملکه العفّه والشجاعه والعداله ونحوها ، ففی النبی ملکه نفسانیه یصدر عنها أفعاله على الطاعه والانقیاد وهی القوّه الرادعه عن المعصیه .
ومن جهه أخرى النبی لا یُخطئ فی تلقّی الوحی ولا فی تبلیغ الرساله ، ففیه هیئه نفسانیه لا تُخطئ فی تلقّی المعارف وتبلیغها ولا تعصی فی العمل ، ولو فرضنا أنّ هذه الأفعال وهی على وتیره واحده لیس فیها إلاّ الصواب والطاعه تحقّقت منه من غیر توسّط سبب من الأسباب یکون معه ، ولا انضمام من شیء إلى نفس النبی کان معنى ذلک أنْ تصدر أفعاله الاختیاریه على تلک الصفه بإراده من الله سبحانه من غیر دخاله للنبی (علیه السلام) فیه ، ولازم ذلک إبطال علم النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم وإرادته فی تأثیرها فی أفعاله وفی ذلک خروج الأفعال الاختیاریه عن کونها اختیاریه ، وهو ینافی افتراض کونه فرداً من أفراد الإنسان الفاعل بالعلم والإراده ، فالعصمه من الله سبحانه إنّما هی بإیجاد سبب فی الإنسان النبی یصدر عنه أفعاله الاختیاریه صواباً وطاعه وهو نوع من العلم الراسخ وهو الملکه .