صفات الإمام من بعد النبی ومؤهلاته
وأنه کان أفضل المسلمین وأصلحهم عند ما کان حیاً، بل وأفضل أبناء الجنس البشری، وهو المرجع الموثوق للأمه وللناس أجمعین فهو لا ینطق عن الهوى على الأقل فی ما یتعلق بتبلیغ أحکام الدین وبیان القرآن الکریم، وبما أن التبلیغ والبیان مستمران إلى یوم الدین، فإن هذه الأمه تکون منوطه بالإمام القائم مقام النبی بعد وفاته وبالتالی یتوجب أن یکون هذا الإمام بالضروره هو الأعلم والأفهم بالدین، والأقرب لله ولرسوله والأتقى، والأفضل والأصلح فی زمانه، والمرجع والموثوق والمؤتمن على تبلیغ الدین وبیان القرآن، وبتعبیر آخر یجب أن یکون أوحد زمانه فی جمیع هذه الأمور. أو إن شئت فقل أنه معد ومؤهل إلهیاً، أو مصان عن الوقوع بالزلل ومعصوم من هذا الزلل تماماً کما کان الرسول معصوماً فی هذه الناحیه المتعلقه بالتبلیغ والبیان على الأقل!
وهذه مؤهلات لا بد من توافرها فی الإمام القائم مقام النبی حتى یکون أهلاً لهذا المقام، وجدیراً بالطاعه، لأن طاعته کطاعه الرسول، وولایته کولایه الرسول، وطاعه الرسول وولایته کولایه الله وطاعته، وکیف یکون أولى بالمؤمنین من أنفسهم إذا لم یتصف بهذه الصفات أو تکون له هذه المؤهلات.
أما خلفاء الدوله التاریخیه وشیعهم أهل السنه فیرون أن هذه الصفات والمؤهلات مثالیه، ولیتها تتوافر فی الخلیفه أو الإمام من بعد النبی، ولکن إن توافرت فی شخص معین، واقتضت المصلحه أن یتقدم علیه من هو أقل منه علماً وفضلاً، فیقدم فی هذه الحاله المفضول على الأفضل! ابتغاء لتحقیق المصلحه الشرعیه! ولکنهم لا یبینون لنا من هو هذا الذی یحدد المصلحه الشرعیه! ومن الذی یقرر تقدیم المفضول على الأفضل. نظریاً الأمه هی التی تفعل ذلک برأیهم، وعملیاً لم یرو لنا راو قط أن الأمه قد اجتمعت عن بکره أبیها على صعید واحد فی أی یوم من الأیام، وقالت: إن هذا مفضول وذلک أفضل، وأن المصلحه الفلانیه تقتضی أن یقدم هذا المفضول على ذلک الأفضل.
وعملیاً، فإن الخلیفه المتغلب هو وحده الذی یقرر من یتولى الخلافه من بعده، بغض النظر عن الصفات أو المؤهلات، وله أن یقدم أو یؤخر من دون تعلیل أو بتعلیل.
لقد حاول فقهاء الدوله التاریخیه أن یضعوا مؤهلات الخلیفه القائم مقام الرسول وصفاته، وانتهت محاولاتهم إلى وضع شروط فضفاضه تنطبق على کل من تلفظ بالشهادتین، فقالوا أنه یتوجب أن یکون الخلیفه مسلماً وذکراً وبالغاً وعاقلاً… الخ مع العلم بأنه لا توجد مؤسسه أو هیئه أو شخص مخول بالتأکد من توافر هذه الصفات فی هذا الشخص أو ذاک، والخلیفه المتغلب القابض على مقالید الأمور هو وحده الذی یقوم بهذا الدور!
وقد توالت على منصب الخلافه تاریخیاً تشکیله عجیبه من الأشخاص من أهل التقوى والصلاح ومن أهل الفجور والفساد، فمن الفئه الأخیره من لعن أهل بیت النبوه واستباح دماء الناس وأموالهم وهدم الکعبه، وختم أعناق الصحابه، وعطل الحدود وضیع الحقوق وقتل أولاد النبی، وسبى بناته ولکن هذه الجرائم وغیرها مما هو أکبر، لم تمنعه من القول بأنه خلیفه النبی والقائم مقامه، ولم تمنع الشیع الإسلامیه من الاعتراف له بذلک ومن أداء جمیع الحقوق التی رتبها الشرع لخلیفه النبی الشرعی القائم مقامه.
فلا ترى الأکثریه الساحقه من شیع أهل السنه عجباً ولا تستغرب أن یکون الخلیفه، القائم مقام الرسول فی أمور الدنیا والآخره، ظالماً، أو فاسقاً، أو معطلاً للحدود، أو مضیعاً للحقوق، أو غاصباً للأموال، أو ضارباً للأبشار، أو متناولاً للنفوس المحرمه أو ممارساً لأی رذیله! فهذه أمور طبیعیه ومن مقتضیات الملک لا توجب خلع الخلیفه لأنه قائم مقام الرسول، ولا توجب عدم طاعته أو الخروج علیه، ویجب وعظه وتخویفه. وهکذا تنقلب الآیه وتتحول الرعیه إلى واعظه لإمامها بعد أن کانت (موعوضه).
قال النووی، فی شرحه بیان لزوم طاعه الأمراء: (قال جماهیر أهل السنه من الفقهاء والمحدثین والمتکلمین: لا ینعزل بالفسق والظلم وتعطیل الحدود ولا یخلع ولا یجوز الخروج علیه بذلک بل یجب وعظه وتخویفه، وأما الخروج علیهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمین وإن کانوا فسقه ظالمین…) وأجمع أهل السنه أنه لا ینعزل السلطان بالفسق (۱).
قال القاضی أبو بکر الباقلانی: قال الجمهور، من أهل الإثبات وأصحاب الحدیث: (لا ینخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمه وتضییع الحقوق، وتعطیل الحدود ولا یجب الخروج علیه بل یجب وعظه وتخویفه فالأخبار متضافره عن النبی وعن الصحابه فی وجوب طاعه الأئمه) (۲).
____________
(۱) راجع: صحیح مسلم بشرح النووی ۱۲ / ۲۲۹، وسنن البیهقی ۸ / ۱۵۸ – ۱۵۹٫
(۲) راجع کتاب التمهید لأبی بکر محمد بن الطیب الباقلانی باب ذکر ما یوجب خلع الإمام.
فالعبره أن یغلب الرجل ویصبح خلیفه، فإذا غلبت بالقوه والقهر أو بأی طریقه من الطرق وصار خلیفه، فهو مؤهل للخلافه، وصفاتها متوفره فیه ضمناً، بغض النظر عما سیکون علیه سلوکه وعمله المستقبلی، فقد یحسن وقد یسیئ، فإحسانه وإساءته لیستا موضعاً للمسأله عملیاً! وله على الأمه من الطاعه ما لرسول الله وخلفائه الأئمه الشرعیین. فإذا دنت منیه هذا الرجل یختار رجلاً لیخلفه، وعلى الأمه أن تبایع هذا الرجل الذی اختاره الخلیفه القوی المتغلب.
وهذا المنهج یختلف اختلافاً جذریاً عن المنهج الذی یقول به أهل بیت النبوه وشیعتهم تماماً، فالإمام عندهم اختاره الله ورسوله وأهله، وأعده للإمامه وجعله الأتقى والأعلم والأفهم والأفضل والأرحم. وبعد أن أودع فیه هذه الصفات أعطاه الله سبحانه وتعالى صلاحیات واسعه لقیاده الدعوه والدوله وجعل الناس فی مأمن من أیه شرور أو بوائق تأتی منه. أما الإمام عند شیع أهل السنه فمؤهله الوحید أنه الغالب القاهر أو المعین من خلیفه متغلب وقاهر، ویجد نفسه ومعه الصلاحیات الهائله التی کان یتمتع بها النبی نفسه من دون أدنى احتیاط لإساءته باستعمال هذه السلطات الهائله!