مؤامره بطون قریش وانقلابها
المتعلقه بظاهره السلطه، ولم یبق من هذه الترتیبات والنصوص إلا القشور أو تلک التی یمکن تأویلها لصالح خلیفه البطون! وترتب على إلغاء الترتیبات الإلهیه والنصوص الشرعیه وضع ترتیبات وضعیه جدیده، واعتبار ما فعله الانقلابیون بمثابه سوابق شرعیه، أو نصوص قانونیه. ولم یکتف الانقلابیون بذلک إنما ألغوا المرجعیه التی اختارها الله ورسوله، وعدوا أنفسهم – بالقوه والقهر – مرجعیه بدیله!
لقد أکد الرسول أن الهدى لا یدرک إلا بالثقلین: کتاب الله وعتره النبی أهل بیته کما هو ثابت من حدیث الثقلین وأن الضلاله لا یمکن تجنبها إلا بالتمسک بهذین الثقلین، لأن کل واحد منهما متکامل مع الآخر ومتمم له، ولا یستقیم الإسلام إلا بهما، وهما الثقل القانونی أو الحقوقی المتمثل بالقرآن وبیان النبی لهذا القرآن، والثقل الشخصی المتمثل بعتره النبی أهل بیته، فهم القیاده والمرجعیه فی کل زمان، وهم المعدون والمؤهلون إلهیاً لفهم القرآن فهماً قائماً على الجزم والیقین، فما یقولون هو المقصود الإلهی من هذا النص، فضلاً عن ذلک فإن أئمه أهل بیت النبوه هم وحدهم الذین أحاطوا بالبیان النبوی لأنهم تلقوه مباشره عن رسول الله.
وجاء الانقلابیون، أو قاده بطون قریش، وألغوا هذه المرجعیه، وأعلنوا بکل صلف وصراحه، أن القرآن وحده یکفی ولا حاجه لأهل بیت النبوه، وتجاهلوا حدیث الثقلین وأحادیث الإمامه والولایه والخلافه، تماماً کما فعلوا مع الرسول یوم أراد أن یکتب توجیهاته النهائیه. إذ حضروا من دون دعوه، وما أن قال الرسول: قربوا أکتب لکم کتاباً لن تضلوا بعده أبداً حتى تجاهلوا قوله، وقال عمر بن الخطاب للحاضرین، من بطون قریش: إن الرسول قد هجر، ولا حاجه لنا بکتابه حسبنا کتاب الله، وتصرف کأن الرسول غیر موجود. عندئذ ردد رجالات البطون من خلفه: القول ما قاله عمر، إن الرسول یهجر حسبنا کتاب الله، وتصرفوا، أیضاً، کأن الرسول غیر موجود، وکانوا هم الأکثریه فأثاروا لغطاً شدیداً وخلافاً مما اضطر الرسول لأن یصرف الجمیع.
وبعد موت الرسول، رتبت البطون أمرها وألغت مرجعیه ربها وتجاهلت وجودها تماماً، کما تجاهلت وجود النبی. ولم تکتف بذلک إنما حاصرت أهل بیت النبوه وجردتهم من ممتلکاتهم ومن کافه حقوقهم المدنیه والسیاسیه وحاصرتهم اقتصادیاً وعزلتهم اجتماعیاً.
وترتب على نجاح الانقلابیین إبعاد الرسول عن التأثیر على الأحداث، فقد منعوا الرعیه من التحدیث عنه، ومنعوا کتابه أحادیثه وأحرقوا المکتوب منها، وصارت کلمه خلیفه البطون وأرکان دولته هی الکلمه العلیا، وهی القول الفصل، واقتصر دور الدین کله على تجمیل هذا الواقع وتسویغه. وکل ذلک یجری تحت خیمه الإسلام، وباسمه.
البحث عن عقائد جدیده
صحیح أن بطون قریش ال 23، مهاجرهم وطلیقهم، صف واحد وجبهه متراصه واحده. وصحیح، أیضاً، أنهم تحالفوا مع المنافقین ووقفوا جمیعاً قلباً وقالباً إرغاماً لأنف النبی وأنوف آله، وصحیح أیضاً أن المرتزقه من الأعراب أیدوا بطون قریش لأنها المالکه للمال والنفوذ والجاه. وصحیح أیضاً أن البطون نجحت فی استغلال الخلاف بین الأوس والخزرج وضمت إلى صفوفها قطاعاً واسعاً من الأنصار. وصحیح أیضاً أن البطون عزلت علیاً وأهل بیت النبوه وبنی هاشم وموالیهم اجتماعیاً، فعادوا قله مستضعفه. وصحیح أن خلیفه البطون غدا فی أوج قدرته، وأن دولته مستقره وتبسط سلطانها على الجمیع بالقوه. لکن أرکان هذا التحالف أدرکوا أن القوه وحدها لیست کافیه لتضمن بقاء: دوله البطون ولتحقیق قناعه الرعیه بشرعیه هذه الدوله، وأن افتقار خلیفه البطون إلى عقیده تشکل نقطه ضعف. وفی وقت یطول أو یقصر سیستغل الهاشمیون هذه النقطه لصالحهم، لذلک بدأ قاده البطون بالبحث عن عقائد یمکن لها أن تشکل نظریه تعمل جنباً إلى جنب مع بطون قریش ومع خلیفتها وجیشها لتقویه دولتها ودوامها. وقد اخترع خلفاء البطون مجموعه کبیره من النظریات السیاسیه، تصب فی خانه إضفاء الشرعیه على دولتهم من خلال وضع نظریه تنتظم مع القوه والتغلب والقهر لإیجاد حاله عامه من القناعه بشرعیه دوله البطون أو إسلامیتها. ومن أسس هذه النظریه:
۱ – قرابه النبی:
زعم قاده البطون وأولیاؤهم فی سقیفه بنی ساعده، أنهم أولى بالنبی لأنهم أهله وعشیرته، فمحمد صلى الله علیه وآله رجل من قریش، وبطون قریش أولى بملکه وسلطانه! وفی المفاجأه، وتخطیط البطون المسبق، وتحالفها مع المنافقین والمرتزقه من الأعراب، واستغلالها للخلاف بین الأوس والخزرج، وفی غیاب أهل بیت النبوه، انطلت هذه المقوله إلى حین، ولم یکن لأحد من الحاضرین مصلحه فی أن یقول للبطون: إذا کنتم أولى بالنبی حقاً، وأقاربه بالفعل فلم قاومتموه خمسه عشر عاماً فی مکه قبل الهجره؟ ولم حاصرتموه وبنی هاشم وبنی المطلب ثلاث سنین فی شعاب أبی طالب وقاطعتموه؟ ولم تآمرتم على قتله، ثم جیشتم الجیوش واستعدیتم علیه العرب والیهود وحاربتموه ثمانی سنوات!؟
۲ – مقوله الشورى:
وبعد أن قبضت البطون عملیاً على مقالید الأمور، وواجهت ولی الأمر وبنی هاشم بأمر واقع لا قبل لهم بتغییره، ادعى قاده البطون أن الأمر أو الخلافه أو القیاده أو الإمامه من بعد النبی شورى واختیار، ومن حق المسلمین اختیار من شاءوا لهذا المنصب، وقد اختار المسلمون ابن البطون البار، وصاحب الرسول وصهره، أبا بکر الصدیق، وقد اختاره الجمیع ولم یعترض علیه إلا الولی وأهل بیت النبوه، وبنو هاشم وحفنه قلیله من أولیائهم! وقد قامت هذه النظریه عند ما انهارت نظریه قرابه النبی، بحجه أن أهل البیت هم الأولى بالنبی حیاً ومیتاً، ولیس من مصلحه أحد أن یحرق نفسه ومستقبله فیقول للخلیفه أو لقاده البطون: ما هی طبیعه هذه الشورى التی تجری فی غیاب علی بن أبی طالب وأهل بیت النبوه وبنی هاشم وأکثریه الأنصار؟ وأکثریه المسلمین؟ وهل هذه شورى عندما تواجه هؤلاء جمیعاً بأمر واقع وتقول لهم: إما أن تبایعوا أو تقتلوا أو تحرقوا، أو تحرموا من کافه حقوقکم! أهذه هی الشورى والاختیار بمفهومکم!؟
۳ – التخلیه، أو ترک الأمه بدون راع:
تجاهل قاده بطون قریش جمیع الترتیبات الإلهیه والنصوص الشرعیه التی
بینت الولی أو القائد أو الإمام من بعد النبی، وکیفیه انتقال منصب الإمامه من إمام إلى إمام، وزعموا أن رسول الله قد ترک الأمه دون أن یعین راعیاً لها من بعده، أو خلى على الناس أمرهم لیختاروا لأنفسهم من یرونه مناسباً! ومن هذا المنطق اختار المسلمون خلیفه البطون الأول! ولیس لأحد من المسلمین مصلحه فی أن یقول لقاده البطون: طالما أن الرسول قد خلى على الناس أمرهم لیختاروا لأنفسهم، فلماذا لا تعتدون به وتخلوا على الناس أمرهم کما خلی؟ لقد عهد أبو بکر بالخلافه لعمر، وعهد عمر بالخلافه عملیاً لعثمان! وطوال تاریخ دوله البطون لم یمت خلیفه قبل أن یعهد بالخلافه لمن یلیه، وکل هذا یشکل نقیضاً ونقضاً لنظریه التخلیه التی بذلت البطون جهوداً هائله لتعمیمها على العامه.
۴ – مقوله (حسبنا کتاب الله):
تعد هذه المقوله من أخطر المقولات اخترعها خلفاء البطون وأولیاؤهم لإخراج النبی بذاته وفعله وقوله من دائره التأثیر على الحدث السیاسی، ولإبطال جمیع النصوص الشرعیه التی أعلنها والمتعلقه بالقیاده أو الإمامه من بعده. وأول من نادى بهذه المقوله هو الخلیفه الثانی عمر بن الخطاب، فعند ما شعر هو وأرکان بطون قریش أن الرسول یرید أن یکتب توجیهاته النهائیه، قدروا أن مواجهه توثیق الرسول الخطی عملیه صعبه، وبالتالی فإن هذا التوثیق قد یقلب کافه مخططاتهم، لذلک استماتوا لیحولوا بین الرسول وبین کتابه توجیهاته النهائیه.
لکن هذا حشد عمر أرکان البطون ودخلوا إلى بیت الرسول فی الوقت المحدد لکتابه توجیهاته النهائیه، وما أن قال الرسول لأولیائه (قربوا أکتب لکم کتاباً لن تضلوا بعده أبدا) حتى قال عمر لأولیائه: إن الرسول یهجر ولا حاجه لنا بکتابه، حسبنا کتاب الله. وعلى الفور ردد أرکان البطون من خلف عمر: القول ما قاله عمر إن الرسول یهجر حسبنا کتاب الله!! وخلق عمر وأرکان البطون مناخاً من الفوضى والاختلاف صارت الکتابه فیه أمراً مستحیلاً (۱) وعند ما قبض أرکان البطون على السلطه منعوا رسمیاً روایه أحادیث الرسول وکتابتها وأحرقوا المکتوب منها علناً.
____________
(۱) وقد وثقنا ذلک راجع على سبیل المثال (کتابنا نظریه عداله الصحابه) ص ۲۸۶، وما بعدها.
وکان هدفهم واضحاً ومنصباً على طمس جمیع النصوص التی تشیر إلى الإمام من بعد النبی. وکان معاویه أکثر وضوحاً عند ما حصر المنع بالنصوص التی تذکر فضل (أبی تراب وأهل بیته)، على حد تعبیره.