نماذج من الخلاف والاختلاف بین المسلمین

0

 وأنه (صلى الله علیه وآله) ، قد خلى على الناس أمرهم! وأجمع أهل بیت النبوه وشیعتهم والباحثون المحایدون من المسلمین على أن رسول الله استخلف علیاً بن أبی طالب، وعینه بأمر من ربه إماماً وولیاً وخلیفه من بعده ومرجعاً للمسلمین، ولکن بطون قریش ال‍ 23 التی اتحدت ضد النبی وقاومته و أجبرته على الهجره ثم حاربته حتى هزمها عادت واتحدت ضد أهل بیت النبوه. والهاشمیین بعامه وضد علی بن أبی طالب وذریته بخاصه لتحول بینهم وبین حقهم فی خلافه النبی (۱)!!
معنى الولی
أجمع خلفاء دوله البطون وشیعتهم (أهل السنه) وأجمع أهل بیت النبوه وشیعتهم على أن رسول الله قد قال لعلی بن أبی طالب حال حیاته (أنت ولیی فی الدنیا والآخره، وأنت ولی کل مؤمن ومؤمنه، وأنت ولی المؤمنین من بعدی، ومن کنت ولیه فهذا علی ولیه، ومن کنت مولاه فهذا علی مولاه، وخاطب المسلمین قائلاً:
إنه ولیکم من بعدی، ولکنهم اختلفوا من بعد هذا الإجماع فی المراد من (الولی):
۱ – قال خلفاء دوله البطون وشیعتهم (أهل السنه) إن الرسول لم یقصد من کلمه الولی الحاکم أو الإمام أو الخلیفه أو المرجع، إنما قصد بهذه الکلمه المحب أو الناصر!
____________
(۱) وقد وثقنا ذلک فی کتبنا وفصلناه: نظریه عداله الصحابه والمواجهه، والخطط السیاسیه.
۲ – أما أهل بیت النبوه وشیعتهم فیؤکدون أن الولایه تعنی الإمامه والخلافه والمرجعیه والقیاده من بعد النبی، ویفهم هذا من القرآن بأن الولی هو الأولى من غیره، ویفهم هذا بالعقل، فمن غیر المعقول أن یجمع الرسول المسلمین فی غدیر خم فی الرمضاء، ولأمر خطیر لیعلن لهم أن علیاً بن أبی طالب محب وناصر!
ویفهم هذا من النصوص الأخرى کقوله لعلی: (أنت منی بمنزله هارون من موسى)، وقوله: (إن هذا أخی وخلیفتی ووصیی فیکم من بعدی)، وقوله: (هذا أمیر المؤمنین، وإمام المتقین، وسید المسلمین، وقائد الغر المحجلین).. الخ.
وقد أجمع أهل بیت النبوه وشیعتهم على صحه هذه الأحادیث، وأجمع على صحتها الباحثون المحایدون من شیعه الخلفاء، وروى الکثیر منها أصحاب الصحاح. ومن استعراض التاریخ الجهادی لعلی بن أبی طالب ودوره البارز فی مقاومه الشرک ومحاربته، ومن استعراض قدرات الإمام علی ومواهبه العلمیه الخارقه لا یبقى أدنى شک بقصد الرسول من کلمه ولی (۱).
وشهدوا على أنفسهم
إذا کان الرسول لم یستخلف، فلم استخلف خلفاء البطون؟ ولماذا لم یقتدوا بالرسول الأعظم؟ ألیس فعل الرسول سنه؟ ومن یدلنی على خلیفه واحد قد مات من دون أن یعهد بالخلافه لمن یأتی بعده؟!
لقد وصف عبد الله بن عمر لأبیه عمر بن الخطاب موت الخلیفه من دون تعیین من یخلفه بأنه تفریط وتضییع للإمامه! ووصفت السیده عائشه هذه الحاله بأنها هماله، ووصفها معاویه بأنها کمن یترک نعاجه ولا راعی لها.
____________
(۱) وقد وثقنا ذلک فی کتابینا المواجهه، ونظریه عداله الصحابه.
وأجمع الخلفاء على أن الحکمه من العهد تتمثل فی تجنیب الأمه الخلاف والاختلاف، وهی رحمه بالمؤمنین وإضفاء الاستقرار على مؤسسه الخلافه! فهل یکون الخلفاء والنساء والعامه من الناس أبعد نظراً وأرحم بالأمه، وأقدر على استقراء الغیب من رسول الله؟ (ما لکم کیف تحکمون * أم لکم کتاب فیه تدرسون * إن لکم فیه لما تخیرون) [ القلم / ۳۶ – ۳۸ ]!
ألیس التنازع على رئاسه المسلمین هو منبع کل خلاف واختلاف؟ وهل یعقل أن یبین الرسول للناس کیف یتبولون، ویبین لهم کل شئ، ویترکهم على المحجه البیضاء ویفغل أهم شئ وهو رئاسه المسلمین من بعده؟ لو سلم شیعه الخلفاء بذلک، لأقروا وشهدوا على أنفسهم بأن الخلفاء قد أخطأوا حتماً، وفعلوا ما لا ینبغی لهم فعله وعقول شیعه الخلفاء تستبعد عن الخلفاء کل خطأ ونقیصه.
والبدیل الآخر هو الاستمرار بالتستر واختلاق الأعذار ولو على حساب الدین والحقیقه الشرعیه والعقلیه، ولسان حالهم یقول: (لینهدم الإسلام على رؤوس معتنقیه ولیبقى الخلفاء معصومین بحرز الله، وماذا یبقى من الدین إذا کان فعل الخلفاء خطأ. تلک أمانیهم! (فویل للذین یکتبون الکتاب بأیدیهم ثم یقولون هذا من عند الله لیشتروا به ثمناً قلیلاً فویل لهم مما کتبت أیدیهم وویل لهم مما یکسبون) [البقره/ ۷۹].
الشیعه یصدقون أهل بیت محمد (صلى الله علیه وآله)
وبقدره قادر صار شیعه أهل بیت النبوه فئه مجرمه! لأنهم صدقوا أهل بیت محمد وآمنوا بوجود نص على من یخلف النبی بعد موته، ولأنهم آمنوا بأن أهل بیت النبوه هم الأولى بالنبی، ولأنهم أحبوا أهل بیت النبوه ووالوهم ولم یوالوا خلیفه بطون قریش، ولأنهم فسروا مصطلح (الولی) بأنه یعنی الإمام أو القائد، أو المرجع أو الخلیفه من بعد النبی، ولأنهم الشیعه استوعبوا حجه أهل بین النبوه، ولم یستوعبوا حجه خلیفه البطون.
لکل هذه الأسباب جن جنون خلفاء البطون وشیعتهم، واعتبروا هذا الموقف المناقض لموقفهم عملاً عدائیاً موجهاً ضدهم، ومحاوله مکشوفه لتفریق کلمه المسلمین وإجماعهم الذی انعقد على خلفاء البطون، ونقضاً للأعراف والسوابق الدستوریه التی اخترعها هؤلاء وشیعتهم، والتی استقرت بنفوذ الدوله، وشعر المسلمون أنها قدر لا مفر منه. لکل هذا عد شیعه أهل بیت النبوه فئه مجرمه بحق الله، وبحق خلیفه البطون، وبحق الأمه المسلمه! وسخرت موارد دوله الخلافه وإعلامها ونفوذها لإثبات إجرام شیعه أهل بیت النبوه وکفرهم، وتشویه سمعتهم، واختلاق الأکاذیب علیهم، وترویج الشائعات ضدهم. ومع الأیام صدقت رعیه الخلیفه کل ما هو مختلق، ضد الشیعه، وکذبت کل ما هو صحیح عنها!
وقد غالت شیعه خلفاء البطون مغالاه کبیره، وتطرفت فی معاملتها لأهل بیت النبوه وشیعتهم، فاستحلوا دماءهم لأتفه الأسباب وصادروا أموالهم، وجردوهم من حقوقهم المدنیه والسیاسیه، وحرموا تزویجهم أو الزواج منهم، وحرموا إطعامهم أو أکل طعامهم، وعاملوهم بمنتهى الهمجیه والقسوه، بشکل لا یجوز أن یعامل به الکفره وهم یتلون کتاب الله، ویؤمنون بالله، ویقیمون الصلاه ویؤتون الزکاه وبالآخره هم موقنون. وقد فعلت شیعه الخلفاء کل ذلک بإخوانهم المسلمین من شیعه أهل بیت النبوه فی الوقت الذی یفتح فیه الخلفاء وشیعتهم صدورهم وقصورهم وبیوتهم للیهود والنصارى والمجوس، تحت شعار أهل الذمه وسماحه الإسلام! مع أن الخلاف بین مسلمی شیعه الخلفاء (أهل السنه) ومسلمی شیعه أهل بیت النبوه (الشیعه) لیس فی ظاهره وباطنه أکثر من خلاف فی فهم الأحکام الشرعیه! ولا یسوغ هذا الخلاف ذلک الحجم الهائل من الضغوط والمعاناه التی أو جدتها دوله البطون لأهل بیت النبوه وشیعتهم.
۲ – الاختلاف فی العبادات
۱ – الوضوء: أجمع المسلمون على غسل الوجه والیدین إلى المرفقین ومسح الرأس، واختلفوا على الرجلین.
أ – شیعه الخلفاء (أهل السنه)، بما فیهم المذاهب الأربعه، یرون أن غسل الرجلین واجب مفروض على التعیین، وبعضهم کالحسن البصری وابن جریر الطبری یرى أن المکلف مخیر بین الغسل والمسح.
ب – أما الشیعه الإمامیه التی تمثل التشیع فی أنقى صوره فهی ترى أن مسح الرجلین فرض معین.
والثابت عن الرسول الأعظم بأنه لا صلاه من دون وضوء والمجمع علیه أن غسل الرجلین أو مسحهما من فرائض الصلاه، وأن الوضوء من العبادات، التی ینبغی أن یأتی بها المکلف على الوجه الذی أمر به الشارع الحکیم. فإذا صح فهم شیعه الخلفاء بأن الفرض هو غسل الرجلین لا مسحهما فإن صلاه أهل بیت النبوه وشیعتهم باطله ومعدومه لأنهم لا یغسلون أرجلهم بل یمسحون علیها!! کذلک وإن صح فهم أهل بیت النبوه وشیعتهم بأن الفرض هو مسح الرجلین لا غسلهما فإن صلاه الخلفاء وشیعتهم باطله ومعدومه لأنهم لا یمسحون الرجلین کما أمرهم الله بل یغسلونهما!
الرجوع إلى الشرع مجدداً
أ – القرآن الکریم: قال تعالى، فی سوره المائده (یا أیها الذین آمنوا إذا قمتم إلى الصلاه فاغسلوا وجوهکم وأیدیکم إلى المرافق وامسحوا برؤوسکم وأرجلکم إلى الکعبین..) [ المائده / ۶ ].
فالوجوه والأیدی منصوبه ولا خلاف على وجوب غسلها، و (الرؤوس) مجروره ولا خلاف على مسحها. والخلاف ینحصر بالأرجل.
ظاهر القرآن وقراءاته
قال الرازی: قرأ ابن کثیر وحمزه وأبو عمر وعاصم (وأرجلکم) بالجر، فالأرجل معطوفه على الرؤوس حسب هذه القراءه. وقال أیضاً: وقرأ نافع وابن عامر وعاصم (وأرجلکم) بالنصب. فجر کلمه (وأرجلکم) قراءه معتمده ونصب کلمه (أرجلکم) قراءه معتمده أیضاً. وجر الأرجل عطفاً على الرؤوس أولى من عطفها على الوجوه والأیدی لأن بین الأرجل والوجوه والأیدی کلمه (برؤوسکم)، وهی حائله ومانعه للعطف، ومن غیر المعقول لغه ومنطقاً القفز عن الرؤوس المجروره بالإجماع وعطف الأرجل على الوجوه والأیدی! إذ لو جاز ذلک لکانت الرؤوس أولى بالنصب لقربها من الأیدی والأرجل! فظاهر القرآن المسح على الرجلین لا غسلهما، سواء أقرئت على الجر أو على النصب.
ب – بیان النبی: من المهام الأساسیه لرسول الله یبین للناس ما أنزل إلیهم من ربهم وقد فعل، فبین الحکم للمسلمین قاطبه، وبینه لأهل بیت النبوه بخاصه.
ومن المسلم به أن الرسول کان یسکن فی جانب من المسجد، ویسکن معه فی منزله علی بن أبی طالب وفاطمه الزهراء والحسن والحسین (علیهم السلام)، وقد جرت العاده أن یتوضأ الرسول فی بیته ویذهب إلى المسجد طاهراً وجاهزاً للصلاه وکان أهل البیت یتوضؤون معه ویصلون معه لأنه کان یوقظهم لأداء الصلاه. فمعنى ذلک أن أهل البیت النبوه کانوا یشاهدون النبی وهو یتوضأ خمس مرات فی الیوم الواحد أو مره واحده على الأقل یومیاً طوال حیاتهم مع النبی وحتى انتقل إلى جوار ربه وهذه مده کافیه لیستوعب أناس فی قمه الوعی الدینی کعلی والحسن والحسین أحکام الوضوء! فأیهما أولى بالتصدیق أهل بیت النبوه الذین سکنوا مع النبی طوال حیاته وشاهدوه یومیاً وهو یتوضأ أم أی شخص آخر رأى الرسول مره أو مرتین أو ثلاثه وهو یتوضأ؟ ما لکم کیف تحکمون؟ فإذا أضفنا إلى هذا أن أهل بیت النبوه هم أحد الثقلین وأن الهدى لا یدرک إلا بهما، والضلاله لا یمکن تجنبهما إلا بالتمسک بهما معاً، وأنهم قد مضوا على المسح على الرجلین لا غسلهما، لن یبقى أدنی شک فی أن الحکم الشرعی هو مسح الرجلین لا غسلهما، ومثل هذا یقال فی الصلاه وغیرها من أحکام العبادات. والأحادیث التی وردت بغسل الرجلین أحادیث لا یمکن الرکون إلى تخصیص ظاهر القرآن بها.
لماذا هزم بیان أهل بیت النبوه وانتصر بیان الخلفاء؟
فی الوضوء، فی هیئه الصلاه، فی صلاه الجنازه، فی الأذان فی غیرها من الأحکام الشرعیه المتعلقه بالعبادات، وجد الخلفاء أنفسهم أمام أهل بیت النبوه کمرجع یقینی لکافه الأحکام الشرعیه، فإذا سلم خلفاء البطون بکل ما یقوله هؤلاء فإنهم یقرون ضمناً بمرجعیتهم، عندئذ یشهدون على أنفسهم ضمناً بأنهم قد غصبوهم حقهم، ویثبتون أنهم مراجع مثلهم وزیاده. ولیرغموا أنوف أئمه أهل بیت النبوه وشیعتهم اخترعوا أو إن شئت فقل اجتهدوا، أحکاماً من عندهم وقدروا أن الرسول لو کان حیاً لأقرها، وبعد أن أوجدوا هذه الاجتهادات فرضوها بسلطه الدوله ونفوذها وألزموا الناس بها، فکان عسیراً على المسلم أن یمسح على رجلیه فی الوقت الذی یرى فیه الخلیفه وأرکان دولته یغسلون أرجلهم! فأول تهمه توجه إلى ذلک المسلم هی اقتداؤه بعلی وأهل بیت النبوه وموالاته لهم، وخروجه على الخلیفه مع ما یستتبع هذه التهمه من آثار قد تؤدی إلى قتل هذا المسلم بسبب هذا الجرم، فصارت اجتهادات الخلفاء وشیعتهم منهاجاً، تربویاً وتعلیمیاً مفروضاً بقوه الدوله. وعند ما خفت وطأه حکم الخلفاء وبعد مئات السنین وجد الناس أنفسهم أمام روایتین. روایه رسمیه عمل بها الخلفاء وأکثریه المسلمین مئات السنین، وروایه عن أهل بیت النبوه لم یعمل بها إلا أهل البیت وشیعتهم القله فاعتقد الناس أن الحق مع الخلیفه والأکثریه التی کانت تؤیده رغبه أو رهبه! تلک هی القصه بکل فصولها.
۳ – الاختلاف فی الاقتصاد السیاسی
هنالک خلافات فی الاقتصاد السیاسی بین أهل بیت النبوه وشیعتهم من جهه وبین خلفاء البطون وشیعتهم (أهل السنه) من جهه أخرى نذکر منها، على سبیل المثال:
أ – التسویه والتمییز فی العطاء المالی: الرسول لا ینطق عن الهوى، ویتبع ما یوحى إلیه، وطوال حیاته المبارکه وهو یقسم المال بین الناس بالسویه لا فرق بین مولى وصریح، لأن الله تعالى أمره بذلک، ولأن التسویه بالعطاء هی الأصوب فحاجات الناس الأساسیه من مأکل ومشرب وملبس ومسکن ونکاح متشابهه، ولأنها خطوه على طریق تذویب الفوارق الاقتصادیه بین الناس، وتجنب نشوء الطبقات. وقد مضى الرسول على سنته طوال حیاته، وجاء الخلیفه الأول فاتبع سنه الرسول، وعند ما جاء الخلیفه الثانی اتبع سنه الرسول آونه وجیزه من حکمه، ثم خطر له أن التسویه بالعطاء عمل غیر مناسب، وغیر عادل والأفضل حسب رأیه أن یعطى الناس حسب منازلهم، فمن غیر العدل حسب رأیه أن یعطی رجلاً من قریش المبلغ نفسه الذی یعطیه لرجل من الموالی! ومن غیر المعقول برأیه أن یعطی عثمان بن عفان أو طلحه أو الزبیر المقدار نفسه الذی یعطیه لرجل من عامه البطون!! ومن غیر الإنصاف، حسب رأیه، أن یعطی عائشه زوجه الرسول، وابنه أبی بکر وحفصه زوجه الرسول وابنه عمر المقدار نفسه الذی یعطیه لکل واحده من زوجات الرسول الأخریات، فأعطى کل واحده من زوجات الرسول عشره آلاف وأعطى کلاً من حفصه وعائشه اثنى عشر ألفاً مع أنهن کلهن زوجات للرسول!
ومضى الرجل فی خطته وهو یعتقد أنها خیر من خطه رسول الله! وصفقت له جموع المسلمین، أو هکذا تظاهرت، ولم تمض سنوات معدوده على تنفیذ هذه الخطه العجیبه حتى وجد النظام الطبقی فی أبشع صوره، فطلحه والزبیر وعبد الرحمن بن عوف وغیرهم من خاصه الخلیفه صاروا من أصحاب الملایین!
والملایین من فقراء المسلمین لا یجدون حتى ثمن رغیف الخبز. وأدرک الخلیفه النتائج المدمره لخطته التی حسبها بالأمس أفضل من سنه رسول الله فقال: (لئن عشت مقبلاً لأتبعن سنه رسول الله وصاحبه) (۱) ومات الرجل ولم یعش مقبلاً واندثرت سنه الرسول وعاش رأی الخلیفه وأصبح السنه البدیله لسنه الرسول!
والخلاف ینحصر فی ما یأتی:
۱ – أهل بیت النبوه وشیعتهم یتمسکون بسنه الرسول التی تساوی بین الناس بالعطاء، ویؤمنون بأن الخلیفه الثانی أخطأ یوم عطل سنه الرسول وأحل رأیه الشخصی محلها.
۲ – والخلفاء وشیعتهم (أهل السنه) یأخذون على أهل البیت وشیعتهم فضاضتهم بالقول إن الخلیفه قد أخطأ لأن الخلیفه صحابی، وأمیر المؤمنین، وهو أجل وأرفع من أن یتعمد الخطأ، وهو فی الحقیقه مجتهد ومأجور على مخالفته لسنه رسول الله، ومن واجب الرعیه المسلمه أن تبقى وفیه لاجتهاده لأنه انتقل إلى جوار ربه ولم یلغ اجتهاده! وعلى هذا الأساس استمر خلفاء دوله البطون باتباع رأی الخلیفه والتصرف بالمال العام حسب رأیهم وتقدیراتهم الخاصه بأن الخلیفه یعطیهم الحریه باستغلال المال العام لتألیف القلوب حولهم، واصطناع الأوفیاء لدولتهم!
____________
(۱) وقد وثقنا ذلک کتابناً المواجهه وفصلناه.
هذه هی طبیعه الخلاف بین أهل بیت النبوه وشیعتهم وبین خلفاء البطون وشیعتهم (أهل السنه) (۱).
ب – الخمس المخصص لذوی القربى: فی آیه محکمه جعل الله لأقرباء النبی نصیباً دائماً من الأنفال، وبین النبی هذا النصیب فأعطاه لذوی قرباه کما أمره الله طوال حیاته المبارکه کإمام رئیس للدوله النبویه الإیمانیه. أما لماذا خصص الله هذا النصیب لذوی قربى نبیه فعلمه عند الله یفعل ما یشاء وما تقتضی حکمته، والجواب عن هذا السؤال هو الجواب نفسه عن السؤال التالی: لماذا اختار محمداً للنبوه والرساله ولم یختر عمراً أو زیداً من الناس؟ وبالاستقراء نجد أنه تعالى قد حرم الصدقه على أهل بیت النبوه، فهذا حرام علیهم لا یجوز لهم أن یأخذوها، وعلى ذلک أجمعت الأمه، والصدقه حلال لکل أفراد الأمه بمن فیهم خلفاء البطون، ولأن أهل البیت ثقل والقرآن ثقل آخر ولتجذیر التمیز الشرعی لقیاده الأمه المتمثله بأهل بیت النبوه ولیکفیهم حاجاتهم الحیاتیه ویصونهم عن تحکم الفئه المتغلبه جعل الله لهم حقاً دینیاً ومورداً ثابتاً یعتاشون منه طوال الحیاه هم وذریاتهم. وعلى ذلک مضت سنه الرسول. ولما استولت البطون على منصب الخلافه من بعد وفاه النبی، ورأى أرکان دولتها معارضه أهل بیت النبوه لخلافتها، وجهرهم بالقول بأنهم الأحق بالنبی حیاً ومیتاً، عندئذ أصدر الخلیفه الأول بعد التشاور مع أرکانه سلسله من القرارات الاقتصادیه، صادر بموجبها کافه المنح التی أعطاها رسول الله لأهل البیت حال حیاته، وحرم أهل البیت من ترکه الرسول، وفوق ذلک قرر عدم إعطاء أهل البیت حقهم بالخمس الوارد فی آیه محکمه.
والخلاف ینحصر فی ما یأتی:
۱ – أهل بیت النبوه وشیعتهم یؤمنون بأن حق أهل البیت بالخمس حق إلهی مخصص لهم فی آیه محکمه، وقد جرت سنه النبی على تثبیت هذا الحق وبیانه، ولا یملک أی إنسان على الإطلاق أن یصادره، ومصادرته بغی وعدوان وانتهاک لحرمه أهل بیت النبوه.
____________
(۱) وقد وثقت کل ذلک بشهادات علماء أهل السنه الأکابر فی کتابنا المواجهه فارجع إلیه إن شئت.
۲ – خلفاء البطون وشیعتهم یرون أن کل بطون قریش هی قرابه للنبی، و الهاشمیون وبنو المطلب الذین کانوا یأخذون الخمس زمن الرسول ما هما إلا بطنان من بطون قریش ال‍ 23، وقد میزهما الرسول حال حیاته وحرم بقیه البطون مع أنهم من ذوی قرباه أیضاً وطالما أن الرسول قد مات فمن حق الخلیفه أن یتمتع بصلاحیات الرسول المالیه وأن یعید التوازن بین البطون. والخلیفه هنا مجتهد ومأجور لمخالفته للآیه المحکمه ولسنه الرسول وبیانه لهذه الآیه!
۴ – الاختلاف فی المیراث النبوی
أ – أهل بیت النبوه وشیعتهم یرون أن أهل البیت أحق بمیراث النبی، لأن النبی إنسان مسلم على الأقل، له ورثه شرعیون وعندما یموت المسلم تنتقل ترکته إلى ورثته وتقسم بینهم حسب الشرع المفصل فی القرآن الکریم (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فی کتاب الله) [ الأنفال / ۷۵ ] ولا تملک أیه سلطه فی الأرض حق مصادره ترکه النبی وممتلکاته الشخصیه بعد وفاته لأنها حق خالص للورثه، خاصه وأن المیت والورثه على دین واحد!
ب – خلفاء البطون وشیعتهم (أهل السنه) یرون أن أبا بکر، الخلیفه الأول، هو الأولى بترکه النبی وهو وارثه الوحید، لأنه صدیقه الشخصی، ونسیبه، فزوج الرسول عائشه هی ابنه أبی بکر ولأنه الخلیفه من بعد النبی، ثم إنه من غیر الممکن أن تسمح دوله البطون بأن تؤول أموال الرسول إلى ورثته لأنهم سیعملون على استغلال هذه الأموال فی تألیف قلوب الناس حولهم، ویزعزعون استقرار دوله البطون، فمن باب سد الذرائع فلا حرج على الخلیفه لو صادر ترکه الرسول وحرم الورثه منها! خاصه وأن الخلیفه قد أبدى استعداده لیقدم الطعام والملبس لأهل بیت النبوه!! ثم إن الخلیفه مجتهد ومأجور لأنه صادر ترکه الرسول وحرم الورثه منها!
لأن الخلیفه أمیر المؤمنین وله الحق – برأیهم – بالتصرف على الوجه الذی یراه مناسباً (۱)!
____________
(۱) وقد وثقنا ذلک کله فی کتابنا المواجهه فارجع إلیه.
هذه نماذج من طبیعه الخلافات بین أهل بیت النبوه وشیعتهم (أهل الشیعه)، وبین خلفاء البطون وشیعتهم (أهل السنه).
فالخلیفه یقرر قراراً، أی قرار، أو یجتهد اجتهاداً، أی اجتهاد، فیأتی أهل بیت النبوه ویقولون للخلیفه، من باب الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، ومن قبیل القیام بمسؤولیتهم الدینیه: (إن الحکم الشرعی واضح وهو کذا، واجتهادک أیها الخلیفه مناقض للشرع! فاتق الله والتزم بشرعه) فیجیب الخلیفه. إن الشرع ما أمرت وقلت ولیس ما ذکرتم، ویأمر بوضع قراره أو اجتهاده موضع التطبیق، ویصبح هذا القرار أو الاجتهاد نافذاً بقوه الدوله ونفوذها شاء الناس أم أبوا، وافق الشرع أم خالف فهو مدعوم بقوه الدوله. عندئذ، وبقوه الدوله ونفوذها، أو بحکم العاده والأرث، تقول شیعه الخلفاء: صدق الخلیفه! وتسلط مختلف وسائل الإعلام التی تملکها الدوله لإبراز محاسن هذا القرار والتعتیم على بیان أهل بیت النبوه وتصدیق شیعتهم لهم، أو تشویهه، وإظهاره بمظهر المحاوله المکشوفه لزعزعه استقرار الدوله وإثاره الفتنه، وتفریق کلمه المسلمین التی اتحدت فی ظلال حکم الخلیفه، وهدم الإسلام، إلى آخره من تلک التهم الخطیره التی تشیر العامه وتجندهم تحت إمره الخلیفه وأعوانه، وتغرس فی قلوبهم الحقد والکراهیه لشیعه أهل بیت النبوه، باعتبارها الفئه الموجهه لها تلک التهم الخطیره!
ومع سقوط دوله الخلافه، ورثت العامه التهم، وبقدره قادر حولت االعامه التهم إلى أحکام وعاملت الشیعه على أساس أنها محکومه بحکم مبرم.
الائتلاف بالرغم من الخلاف
نتیجه طبیعیه لموقف البطون من أهل بیت النبوه وشیعتهم تکون عملیاً قانون نافذ وغیر معلن مفاده أن الخلفاء وشیعتهم یتبنون بالضروره حکماً یناقض الحکم الذی تبناه أهل بیت النبوه وشیعتهم، لأن الخلفاء وأعوانهم رأوا فی ذلک ما یرغم أنوف أهل البیت وأعوانهم ویعذلهم ویجتث من نفوسهم الطمع بقیاده الأمه! هذا الطمع الذی یعکر على الخلفاء صفو حکمهم ویهدد استمراره.
ومع عزوف أهل بیت النبوه عن العمل السیاسی المعلن ویأسهم من استقامه مبکره للأمه، خفت قبضه دوله البطون وتراخت حملاتها. وانطلق علماء شیعه الخلفاء فی هذا المناخ یستنبطون الأحکام الشرعیه بالوسائل التی اخترعوها من دون حساسیه مسبقه، ولشد ما ذهلوا عند ما توصلت فرقهم أو بعض هذه الفرق إلى النتائج نفسها التی توصلت إلیها شیعه أهل بیت النبوه! ومثال على ذلک:
۱ – قالت الشافعیه والحنابله: (والشیعه الإمامیه): من قدر على الاکتساب لا تحل له الزکاه، وقالت الحنفیه، والمالکیه: بل تحل له وتدفع!
۲ – وفی المبیت بالمزدلفه، فی أثناء أداء فریضه الحج، قالت الشیعه الإمامیه وقال، المالکیه: لا یجب المبیت ولکنه الأفضل. بینما قال الحنفیه والشافعیه والحنابله بوجوب المبیت ومن ترکه فعلیه دم (ذبیحه)!
۳ – وفی رمی الجمار (من مناسک الحج) قالت المالکیه والحنفیه والحنابله والشیعه الإمامیه: لا یجوز رمی الجمار قبل الفجر فإذا رماها من عذر وجب علیه إعاده الرمی. بینما رأت الشافعیه أنه لا حرج من التقدیم!
۴ – وفی صلاه الجماعه، قالت الحنابله إنها واجبه وجوباً عینیاً على کل فرد مع القدره، ولکن إذا ترکها وصلى منفرداً أثم وصحت صلاته. بینما قالت الشیعه الإمامیه والحنفیه والمالکیه وأکثر الشافعیه: لا تجب عیناً ولا کفایه، وإنما تستحب استحباباً مؤکداً!
فأنت ترى أن الشافعیه والحنابله فی المثال الأول، والمالکیه فی المثال الثانی، والمالکیه والحنفیه والحنابله فی المثال الثالث والحنفیه والمالکیه وأکثر الشافعیه فی المثال الرابع قد التقوا مع الشیعه وتبنوا الحکم نفسه التی تبنته شیعه أهل بیت النبوه، فقد اتفقوا على الحکم الشرعی فی تلک المسائل، وائتلفوا بالرغم من الخلاف! ربما لأنها لیست مسائل سیاسیه! أو لأن دوله البطون تراخت قبضتها ورغبتها فی إرغام أنوف أهل البیت وشیعتهم! وربما دوله البطون لا تدری عن ذلک شیئاً، أو لا تشعر بأهمیته. وربما لأن فرق شیع الخلفاء التی التقت بالنتیجه الفقهیه مع شیعه أهل بیت النبوه قد استعملت الوسائل نفسها الخ. والخلاصه أن الائتلاف بعد الاختلاف المفروض والمصطنع ممکن، ولم یعد لأحد مصلحه فی الخلاف والاختلاف.
جلسه الحوار العاشره
قال صاحبنا: لقد قرأت، بکل التمعن والإهتمام، کامل أجوبتکم عن تساؤلاتی المتعلقه بالخلاف والاختلاف، وإننی أقدر عالیاً کفاءتکم وقدرتکم على تشخیص الداء تشخیصاً شرعیاً، وعلى وصف الدواء الشرعی، لقد کان الیوم الذی تعرفت علیک فیه یوماً مبارکاً بالفعل.
وأرید أن أوجه لک، الآن، طائفه من التساؤلات المتعلقه بوحده المسلمین:
فما هی أسباب الخلاف والاختلاف؟ وکیف نکف عن خلط الأوراق، فنفصل الدین عن التاریخ والفهم عن النص؟ وکیف نجعل المسلمین یعرفون القیاده والمرجعیه الشرعیه؟ وما هی قصه المنهاج التربوی والتعلیمی لدوله البطون؟ ألیس بالإمکان اعتبار الأکثریه حکماً والأقلیه معارضه فیتحرک الجمیع ضمن دائره الاحترام المتبادل، بین الأکثریه المسلمه والأقلیه المسلمه؟ ما هو موقف خلفاء البطون من المعارضه الإسلامیه؟
وهل یمکنک إعطائی صوره موجزه عن الحکم والمعارضه فی أنظمه أخرى؟ ومن الذی یمنع من تقلید هذه الأنظمه؟ ثم ألیس للوحده قواعد؟ وما هو السبب الحقیقی لاستمرار الخلاف والاختلاف؟ ما هی أسباب القدره العجیبه لإعلام البطون؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.