محاوله لتقدیم الإسلام فی جو الخلاف والاختلاف

0

ووجد المسلمون أنفسهم سوقاً مفتوحاً لنتاج العقل البشری من ثقافه وعلم وأدب وقصه وخرافه وأساطیر یشق طریقه إلى أسماعهم وقلوبهم بلا قیود ولا حواجز.
وکان علیهم أن یتعاملوا مع هذا الفیض من النتاج، وأن یصبغوه بصبغتهم، أو یلبسوه زیهم وعباءتهم!.
ووجد المسلمون أنفسهم أمام حاله غریبه وفریده من نوعها تتمثل فی إباحه روایه کل شئ على الإطلاق وکتابته، باستثناء روایه أحادیث نبیهم الرسول الأعظم وکتابتها! ووجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام فیض من المشکلات والوقائع التی لم یعهدوا مثلها فی حیاه الرسول أو حیاه الخلفاء الأولیین ولا وجود لنصوص شرعیه قادره على التعامل مع هذه المشکلات والوقائع! فصارت روایه أحادیث الرسول وکتابتها ضروره ملحه کجزء من محاوله العثور على حلول شرعیه أو قانونیه لمواجهتها. ولم تکن هذه المهمه یسیره فأحادیث الرسول کعقد من الحجاره الکریمه، قطعت خیوطه ید عابثه ونثرته فی التیه والرمال. وبعد ۹۵ عاماً اکتشف الذین جاءوا من بعدهم خطوره ما فعله الأولون ثم بدأ اللاحقون بالبحث عن هذه الحجاره الکریمه! واغتنم أعداء الإسلام الفرصه، فأخذوا یختلقون على الرسول الله أحادیثاً ما أنزل الله بها من سلطان لهدم الإسلام بأدواته، فاخترع علم الروایه والدرایه، وعلم الجرح والتعدیل،.. الخ من تلک العلوم التی تهدف إلى إثبات صدور هذا الحدیث أو ذاک عن رسول الله، والتصدی لفیض الرواه الذین انکشفت الأرض عنهم فجأه. متسلحین بالآلیه التی نفسها التی أوجدها الصادقون ببحثهم عن أحادیث الرسول. وکانت دوله البطون على علم بهذا الجهد الذی قام به المخلصون للحصول على ما أمکن الحصول علیه من أحادیث الرسول، ولم تعترض هذا الجهد بل سهلته، ولم یکن لها تحفظ علیه، وانحصر تحفظها بعدم الروایه عن أهل بیت النبوه، وبتجاهل إمام أهل بیت النبوه ما أمکن وفی أحسن الأحوال اعتباره عالماً کمئات الألوف من العلماء الموجودین فوق إقلیم دوله البطون وعدم تمییزه من غیره من العلماء! مع أن هذا الإمام هو مستودع العلم اللدنی، وهو الجامع لبیان الرسول لکافه أحکام القرآن، وهو المؤهل للإجابه عن کل سؤال إطلاقاً جواباً قائماً على الجزم والیقین، والسؤال الذی یطرح نفسه هو:
هل کان العلماء یعرفون مؤهلات الإمام؟ ولماذا تجاوزوه إن عرفوها؟
لقد أدرک العلماء بالعقل لا بالنقل أهلیه إمام أهل بیت النبوه، لقد حاوره العلماء فی کل زمان، وسلم له العاقلون بالإمامه! ولکن إن أعلنوا تسلیمهم له، وأشاعوا تمیزه وتفرده بالعلوم الإلهیه الیقینیه. فإن الدوله القائمه ستعد هذا بمثابه تشیع لأهل بیت النبوه، وستقابله بالردع والمحاصره، وستصب جام غضبها على جمیع العلماء الذین یشیعون تفرده وتمیزه. وبالتالی ستستعمل دوله البطون نفوذها وتفشل مشروع العلماء الصادقین الهادف إلى تقصی أحادیث الرسول الصحیحه وتدوینها، لذلک رأى العلماء الصادقون أن یتظاهروا بأن إمام أهل بیت النبوه لیس غیر عالم من جمله مئات الألوف من العلماء! وقد تظاهروا بذلک بذلک مع إقرارهم له بالأستاذیه فالإمام جعفر الصادق مثلاً هو أستاذ أبی حنیفه وأصحاب المذاهب الأربعه، وقد أقروا له بالتفوق والتفرد والتمیز من غیر ومع هذا نتیجه لنفوذ الدوله وضغوطها تقدم أبو حنیفه وبقیه أصحاب المذاهب الأربعه فی نظر العامه، وتأخر إمام أهل بیت النبوه وصار المذاهب الأربعه والتمذهب بمذهب الإمام جعفر نقیصه وموضع شبهات، وقد سمى رسول الله الإمام محمد بن علی بالباقر لأنه سیبقر العلوم، وأقر له علماء زمانه بأنه الباقر حقیقه لأنه بقر العلوم وعرف حقیقتها، ومع هذا فإن الإمام محمد الباقر من الناحیه الرسمیه لیس إلا عالم من جمله آلاف العلماء وإذا تعارض قول أی عالم مع قول الإمام محمد الباقر فإن الراجح هو قول العالم لا قول الباقر!
ومع تعمد دوله البطون وأعوانها تجاهل الثقل الأصغر والمرجعیه التی أوجدها الله رسوله، وإصرار الدوله وأعوانها على صناعه آلاف المرجعیات الموازیه للمرجعیه الإلهیه اختلطت الأوراق وضاعت الحقیقه، وصبغت الأحکام الدینیه بصبغه الظن والتخمین، فلا تجد حکماً على الإطلاق إلا وتجد حکماً آخر على النقیض منه. وتدفع الحقیقه الشرعیه دائماً الضریبه.
فالعلماء الصادقون یروون الحدیث عن فلان، وهو مجهول، وعن فلان، عن زید وعن عمرو وعن أبی هریره مثلاً أنه رأى رسول الله یغسل رجلیه فی الوضوء!
ویروی العلماء أنفسهم أنهم قد سمعوا الإمام محمد بن علی الباقر یقول عن أبیه علی زین العابدین، عن أبیه الحسین سید شباب أهل الجنه، عن جده علی بن أبی طالب أننا عشنا مع الرسول طوال حیاته المبارکه تحت سقف واحد، وکان یتوضأ أمامنا کل یوم خمس مرات وفی کل مره من هذه المرات کان یمسح على رجلیه فی الوضوء ولا یغسلها وکذا أمی فاطمه الزهراء بنت الرسول. ومع هذا یتجاهل العلماء هذا الإجماع من أهل بیت النبوه ویترکون روایتهم ویأخذون بروایه أبی هریره الذی لم یصحب الرسول أکثر من سنتین ونصف! لماذا؟ لأن أبا هریره مع دوله البطون وهواه هواها! ولیس لدوله البطون مصلحه بأن یأخذ الناس دینهم عن أهل بیت النبوه، متجاهلین دوله البطون ومؤسساتها على الحکم الشرعی الذی یبینه أهل بیت النبوه، فالحجاج یعلم أن الحکم الشرعی، فی الوضوء هو مسح الرجلین، ولکنه یفرض على الناس أن یغسلوا أرجلهم بالوضوء لیخالفوا فعل علی بن أبی طالب العدو اللدود لدوله البطون. ومع اسمترار فرض الدول لغسل الرجلین بدلاً من مسحهما، واعتبار هذا الحکم جزءاً من المنهاج التربوی والتعلیمی لدوله البطون تأتی الأجیال اللاحقه وتعتقد أن هذا الحکم هو الحکم الشرعی، وأن مقاله أهل بیت النبوه بالمسح شاذه وبدعه على حد تعبیر ابن خلدون عنهم!
طریق الرشاد
کل إمام من أئمه أهل بیت النبوه نادى الأمه فی زمانه قائلاً: (اتبعونی أهدکم سبیل الرشاد)، فعلی ابن أبی طالب باب مدینه العلم اللدنی، والحسن والحسین، تتلمذا على ید الرسول وید علی وورثا علم النبوه. وورث علمهم علی بن الحسین، وجاء من بعده محمد الباقر فاشتهرت تسمیه الرسول له الباقر لبقره العلوم وأقر له العلماء بذلک. وجاء من بعده جعفر الصادق فأعلن للباحثین عن الحقائق الشرعیه المجرده قائلاً وبملء فیه: (حدیثی حدیث أبی، وحدیث أبی حدیث جدی، وحدیث جدی حدیث أبیه، وحدیث أبیه حدیث علی بن أبی طالب، وحدیث علی حدیث رسول الله (صلى الله علیه وآله)، وحدیث رسول الله (صلى الله علیه وآله) قول الله عز وجل) (۱). وأکد الإمام جعفر الصادق للناس قائلاً: (ما من شئ إلا وفیه کتاب أو سنه) (۲) وإمام أهل بیت النبوه یعرف الکتاب ومحیط بالسنه، وسئل الإمام موسى بن جعفر أکل شئ فی کتاب الله وسنه رسوله أم تقولون فیه؟ فأجاب الإمام موسى: (بل کل شئ فی کتاب الله وسنه رسوله) (۳) وروی عن الإمام موسى الکاظم قوله: (… فإنا إن حدثنا حدثنا بموافقه القرآن وموافقه السنه إما عن الله وعن رسوله فحدث…).
بمعنى أن الفرصه کانت دائماً مهیأه أمام المسلمین لیأخذوا أحکام الدین الشرعیه الیقینیه من أئمه أهل بیت النبوه الذین أعدهم الله وأهلهم لهذه الغایه، ولکن دوله البطون وأولیاءها قد أبوا ذلک لأنهم لو فعلوه لأذوا أنفسهم، ولأقروا بمرجعیه أهل بیت النبوه ولانهار تاریخهم وتهاوت شرعیه حکمهم، لذلک ضحوا بالدین الإسلامی لیخفوا آثار أفعالهم ولیضمنوا لأنفسهم الاستمرار بقیاده الأمه وتوجیهها بالقوه وفق مناهجهم التربویه والتعلیمیه التی اخترعوها فسلکوا بالمسلمین الوعر والصعب من الطریق، وترکوا الیسر الإلهی، وکانت النتیجه أن اختفى الجزم والیقین من قاموس الأحکام الشرعیه، وحل محلها الظن والتخمین فلا تجد حکماً فقهیاً فی مسأله إلا وتجد حکماً فی المسأله نفسها یناقضه ویتعارض معه!
____________
(۱) راجع أعیان الشیعه ۳ / ۳۴٫
(۲) راجع أصول الکافی لمحمد بن یعقوب الکلینی ۱ / ۵۱٫
(۳) المصدر نفسه ۱ / ۶۲٫
کی لا یضیع المسلمون إن أبوا!
أمام رفض دوله البطون الاعتراف بشرعیه مرجعیه أهل بیت النبوه وإصرارها وأولیائها على اختراع آلاف المرجعیات البدیله، وقرن مرجعیه أهل بیت النبوه مع هذه المرجعیات ومساواتها بها وحرصاً على مصلحه الإسلام وإنقاذاً لما یمکن إنقاذه من دین الإسلام وضع أئمه أهل بیت النبوه وأولیاؤهم سلسله من القواعد التی ترشد ما أمکن إلى طریق الصواب منها:
۱ – عرض الحدیث على کتاب الله فما وافق کتاب الله فهو حدیث صحیح وما خالف کتاب الله فهو حدیث کذب.
۲ – إن کل حدیث قد ورد فی أی کتاب من کتب الحدیث مهما تکن وثاقه أصحابها یجب أن یخضعه العلماء للتحقیق والإثبات للتأکید من وثاقه الروای وصدقه.
۳ – لا ینبغی على العلماء أن یقبلوا الروایه إلا إذا رواها راو منصف، یتصف بالورع والصدق ومهما یکن مذهبه.
۴ – لیس فی منهج أهل بیت النبوه وشیعتهم ما یوجب تبنی کتاب حدیث صحیح بأکمله أو رفضه بأکمله، بل تخضع مفرداته للتحقیق والإثبات العلمی.

Leave A Reply

Your email address will not be published.