الاختلافات الفقهیه بین شیعه أهل البیت، وشیعه الخلفاء
فکان المسلمون یعرفون الحکم الشرعی من طریق النبی، والنبی لم یتوقف عن الإعلان بأنه على استعداد للإجابه عن کل سؤال جواباً یقینیاً قائماً على الجزم والیقین، لأنه یتبع بالضبط ما یوحى إلیه من ربه، وأن الله قد علمه بیان القرآن، وأن القرآن فیه تبیان لکل شئ وکان المسلمون یعملون عقولهم فی ما خفی علیهم من الأحکام الشرعیه، حتى إذا ما التقوا مع الرسول عرضوا علیه نتاج عقولهم فیحکم علیه وفق موازین الوحی الإلهی، فیعدل ویبدل ویقوم هذا النتاج حتى یتفق تماماً مع ما أوحی إلیه.
کان بعض المسلمین یتشبث برأیه الشخصی فی مقابله الوحی، ولکنه کان یضطر دائماً لترک رأیه الشخصی والنزول عند حکم النبی، أو یضطر للتظاهر بذلک. وهکذا تبقى الأمه دائماً ضمن إطار الشرعیه والمشروعیه الإلهیه، وتتبنى أحکاماً إلهیه واحده تتفق مع المقصود الإلهی بلا خلاف ولا اختلاف. فالکل مقتنع أو متظاهر بالاقتناع بأن محمداً هو الأعلم، وهو الأفهم بالدین، وهو الأقرب لله، والمتصل معه بالوحی، وهو الأصلح والأفضل، والأقدر على النطق بالصواب، وهو المؤهل إلهیاً للإجابه عن کل سؤال جواباً صائباً، ولا أحد فی المجتمع یجرؤ على القول بعکس ذلک. واعتراضات عمر بن الخطاب وأمثاله الناتجه عن الرأی، سرعان ما تتداعى أمام القناعات العامه بشخصیه الرسول وأهلیته التی تشکل المرجع الأوحد للنطق بالصواب وإعلانه. لذلک لم یکن هنالک خلاف ولا اختلاف لأن الجمیع کانوا یصدرون عن قول محمد المرجع والإمام والمؤهل الوحید فی زمانه للنطق بالصواب. فزمان النبی زمان الوفاق التام الذی لا خلاف فیه ولا اختلاف.
وقد نطق القرآن الکریم بأن النبی میت لا محاله، وأن الدین الإسلامی هو دین الله الأوحد، وأن محمداً هو رسول الله خاتم النبیین. لذلک وبأمر من الله أوجد الرسول کوادر فنیه ومنهاجاً تعلیمیاً لاثنی عشر نقیباً من أهل بیت النبوه، وسمى الرسول هؤلاء النقباء (الأئمه) وأعلنهم بأمر من ربه أئمه من بعده، یتولى کل واحد منهم الإمامه بنص ممن سبقه، أولهم علی بن أبی طالب وآخرهم محمد بن الحسین المهدی. وبین الرسول أن الله تعالى قد أهل الاثنى عشر إماماً للإمامه والمرجعیه، لیکون کل واحد منهم فی زمانه هو الأعلم وهو الأفهم بالدین، وهو الأقرب لله ولرسوله، وهو المؤهل للإجابه عن کل سؤال یطرحه أی شخص من مکان المعموره جواباً یقینیاً وصائباً ومتفقاً تماماً مع المقصود الشرعی الإلهی.
وحث الرسول الأمه على تنفیذ الأمر الإلهی، وتمکین الأئمه الاثنی عشر من قیاده الدعوه والدوله معاً، لأن الله تعالى أهلهم لذلک، ولم یؤهل لهذا المنصب الخطیر سواهم. وزیاده فی التأکید بین الرسول لأمته أن الهدى لن یدرک إلا بالقرآن وبأئمه أهل بیت النبوه، وأن الضلاله لا یمکن تجنبها إلا بالتمسک بالاثنین معاً، فالأئمه الکرام قیاده ومرجعیه ومستودع العلم الإلهی، ومستودع علم بیان النبی للقرآن، والقرآن بمثابه القانون الأبدی النافذ فی مجتمع الأمه، والأئمه وحدهم هم الذین یعرفون جواب کل مسأله جواباً شرعیاً یقینیاً، لأن الله أعدهم وأهلهم لذلک، بمعنى أن هنالک واقعاً شرعیاً من التکامل بین قیاده أهل بیت النبوه وبین القرآن الکریم، وأن أحدهما بعد النبی لا یغنی عن الآخر. فإذا قبلت الأمه بالقرآن وبیانه قانوناً نافذاً، وبأهل بیت النبوه، قیاده ومرجعیه، والتزمت بالاثنین معاً، فلن یکون هنالک هنالک خلاف ولا اختلاف ویصبح الوضع هو الأمثل وهو الأقوم حیث لا خلاف ولا اختلاف.
أسباب الخلاف والاختلاف
۱ – البذره الأولى:
لم یرق هذا الترتیب الإلهی لبطون قریش التی کرهت أن یجمع الهاشمیون النبوه والملک، أو الخلافه من بعد النبی على حد تعبیر عمر بن الخطاب، لذلک قررت أن تنسف هذا الترتیب الإلهی، خططت لاستبعاد أهل بیت النبوه عن قیاده الأمه، وتجمید جمیع النصوص النبویه الشرعیه التی أعلنها النبی بأمر من ربه، والتی أعطت أهل بیت النبوه الحق بقیاده الأمه وبالمرجعیه معاً.
وقررت البطون القرشیه، طالما أن النبوه لبنی هاشم لا یشارکهم فیها أحد، أن تجعل القیاده أو خلافه النبی لها تتداولها فی ما بینها ولا یشارکهما فیها أحد من بنی هاشم، فذلک أوفق وأصوب وأهدى من الترتیب الإلهی وأمنع للإجحاف على حد تعبیر عمر بن الخطاب، وعلى ذلک اتفق أبناء بطون قریش مهاجرهم وطلیقهم إلا من هدى الله، وأخفوا هذا الاتفاق، وانتظروا موت النبی بفارغ الصبر حتى یضعوه موضع التطبیق.
کانت هذه الأفکار هی البذره الأولى من بذور الخلاف والاختلاف بین المسلمین، والسبب الأول لدوام هذا الخلاف والاختلاف (۱).
____________
(۱) وقد ثبتنا ذلک ووثقنا فی کتابنا (المواجهه) ویمکن الرجوع إلیه للوقوف على التفصیل والمراجع.
۲ – البذره الثانیه:
کما زرعت بطون قریش بذره الاختلاف الأولى بنقلها للقیاده عن أساسها الشرعی، زرعت أیضاً بذره الخلاف والاختلاف عندما شککت بأحکام رسول الله، وفرقت بین الرسول المرسل والکتاب المنزل. ولضمان نجاح خطتها الانقلابیه أشاعت أن محمداً نبی ورسول من الله بلا شک ولا ریب، لکنه لیس معصوماً، فهو بشر یتکلم فی الغضب والرضى، ویخطئ ویصیب، ویذکر وینسى وله میوله وأهدافه الشخصیه، وله انجذابه الخاص نحو أهل بیته بخاصه ونحو الهاشمیین بعامه، ولا یمکن أن یکون کل ما یقوله من عند الله. وبالتالی فإن دوره قد انتهى باکتمال نزول القرآن، وطالما أن نزول القرآن قد اکتمل، فإن القرآن وحده یکفی ولا داعی لوجود النبی أو غیره، وبالرجوع لهذا القرآن فإن البطون لا تجد ذکراً لحدیث الثقلین، ولا ذکراً للأئمه الاثنی عشر، ولم یتطرق القرآن للولایه من بعد النبی، ولم یذکر القرآن أن علیاً بن أبی طالب هو الولی من بعد النبی، ولا ذکر القرآن ذلک الدور الممیز الذی یقول محمد إن الله قد اختص به أهل بیت النبوه!
هذه الشائعات مع شائعات أخرى إنما بثت للتشکیک بذات الرسول وقوله وفعله وعقله فشقت طریقها إلى أسماع المسلمین وعقولهم وقلوبهم، وجهدت البطون فی نشر هذه الشائعات وصولاً إلى إبطال النصوص النبویه الشرعیه التی بینت القرآن وعالجت ظاهره السلطه والقیاده من بعد النبی.
وعند ما مرض النبی مرض الموت واستکملت قیاده البطون استعداداتها لمواجهته قررت أن تعلن شائعاتها علناً، وأن تتبنى رسمیاً هذه الشائعات. لذلک، وعندما أراد الرسول أن یکتب توجیهاته النهائیه للأمه، تصدى له عمر بن الخطاب وزعماء البطون وقالوا للرسول شخصیاً أنه یهجر.
۳ – البذره الثالثه:
وعندما انتشرت شائعات البطون ونجح أبناؤها فی إقامه تحالف مع المنافقین والمرتزقه من الأعراب، قررت أن تستولی على منصب الخلافه بالقوه والتغلب والقهر، وأن تفرض إشاعاتها وتخفی آثار جنایاتها. وبیسر بالغ استولت على السلطه، وواجهت المسلمین بأمر واقع، فمن قبل بهذا الأمر نجا وحاز نصیباً من المغانم، ومن عارضه عوقب وطرد من رحمها، ومن مغانم دولتها، وقد یهدد بالقتل کما فعلوا بعلی بن أبی طالب، وقد یشرعوا بحرق بیته على ما فیه کما فعلوا ببیت فاطمه بنت رسول الله!! فإذا کان علی بن أبی طالب یهدد بالقتل إن لم یبایع، وبیت بنت الرسول یتعرض للتحریق، فما هی طبیعه الحرمه التی تبقى لغیرهما من معارضی دوله البطون؟!
۴ – البذره الرابعه:
عندما استولت البطون، بالقوه والتغلب والقهر، على الخلافه من بعد النبی کان أول شئ فعله خلفاؤها الأول أن منعوا روایه أحادیث رسول الله وکتابتها.
حتى لقد قام الخلیفه الأول بإحراق خمسمئه حدیث کتبها بنفسه عن رسول الله، وخطب الناس وحثهم على عدم التحدیث عن الرسول لأن الأحادیث تسبب الخلاف والاختلاف بین المسلمین على حد تعبیره. وجاء الخلیفه الثانی وعمق قرار منع روایه أحادیث الرسول وکتابتها وأضاف بأن طلب من الناس أن یأتوه بالأحادیث التی کتبوها عن رسول الله ولما جاؤوه بها أمر بتحریقها وحرقت فعلاً، وسار الخلیفه الثالث على نهج صاحبیه، وصار منع روایه أحادیث الرسول وکتابتها سنه راشده! وجد الخلفاء اللاحقون أنفسهم ملزمین باتباعها.
۵ – البذره الخامسه:
غلب معاویه الأمه، واستولى على منصب الخلافه بالتقتیل والتشرید والتنکیل والإرهاب، ومعاویه، بتاریخه وطبیعته، حاقد على البیت الهاشمی بعامه وعلى علی بن أبی طالب وذریته بخاصه، وإذا أضفنا إلى هذا تاریخ مقاومه الأمویین للنبی ولدعوته والحروب التی خاضوها ضده یصل الإنسان العادی إلى قناعه بأن الحقد الأموی على علی وأهل بیت النبوه وعلى الهاشمیین لا دواء له.
وقد وضع معاویه یده فی أیدی الخلفاء الأول وألف بین قلبه وقلوبهم، کراهیه الجمیع لقیاده أهل بیت النبوه بغض النظر عن الأسباب التی یستند إلیها کل واحد منهم، ورفع الخلفاء من شأن معاویه وأعدوه لیحمی قناعاتهم من بعد موتهم ولیتصدى لخصوم الجمیع. وبعد أن أنشب معاویه أظافره الحدیدیه فی کل عنق الخلافه لم یر ما یوجب التستر فقاد بنفسه حمله وضع الأحادیث على رسول الله وتحریفها واختلاقها وسخر إمکانیات دوله الخلافه ومواردها لتحقیق الغایه من حملته تلک المرکزه على محو کل فضل لعلی ولأهل بیت النبوه وللتشکیک بمرجعیتهم وحقهم بالقیاده واختلاق آلاف المرجعیات التی تنافسهم. ولما تجمعت لمعاویه وولاته تلک المرویات الکاذبه، فرض على رعایا دوله الخلافه حفظها وتصدیقها، وجعلها منهاجاً تربویاً وتعلیمیاً لدولته، ومع الضغط والتکرار صدقها الناس، أو تظاهروا بتصدیقها والإیمان بها حتى صار المسلم على یقین بأن مسبه علی بن أبی طالب وکره أهل بیت النبوه من الأمور التی تقربه من الله زلفى، وصارت محبه علی وأهل بیت النبوه وموالاتهم من جرائم الخیانه العظمى یعاقب مرتکبها بالموت وهدم الدار والتجرید من الحقوق المدنیه والسیاسیه.
وهکذا هدم معاویه علناً کافه الأسس التی بناها رسول الله وأقام بدلاً منها أسساً ومبادئاً مناقضه لها تماماً، وانتصرت أحادیث الرسول على تلک المرویات الکاذبه التی رعى معاویه وولاته روایتها والتی تخدم أهدافه ومطامعه، وتجذر الخلاف والاختلاف بین المسلمین. أما النصوص النبویه الشرعیه التی عالجت ظاهره السلطه والقیاده من بعد النبی فقد اتبع معاویه سنه أسلافه بمنع روایتها وکتابتها وفرض حاله من التعمیه علیها، وزاد عنهم بحملته الرهیبه الهادفه إلى محاربتها ونقضها والتشکیک بکل ما فیها وتجنید کل طاقات دوله الخلافه لخلط الأوراق وتجذیر الخلاف والاختلاف، وجاء الخلفاء من بعد معاویه لیجدوا منهاجاً، تربویاً وتعلیمیاً مستقراً فآمنوا به صدقوه، وساروا علیه وهم یعتقدون صوابه.
لا یصلح العطار ما أفسد الدهر
عند ما آلت الخلافه إلى عمر بن عبد العزیز أدرک خطوره ما فعله الذین سبقوه من الخلفاء بفرضهم الخطر على روایه أحادیث الرسول وکتابتها فی الوقت نفسه الذی أباحوا فیه روایه الأساطیر والخرافات الإسرائیلیه والشرکیه وکتابتها وتداولها.
وقدر عمر بن عبد العزیر أنه إذا ما استمر حظر روایه أحادیث الرسول وکتابتها فإن سنه الرسول ستندرس لا محاله، لذلک أمر والیه على المدینه بأن یباشر على الفور بجمع ما تبقى من أحادیث رسول الله وکتابتها. واهتز مجتمع دوله الخلافه وهاجت الأمه وماجت وتساءلت: کیف یجرؤ عمر بن عبد العزیز على فعل ما یتعارض مع سنه أبی بکر وعمر؟ وتعاضد الملأ الرسمی وأجهضوا مشروع الخلیفه، وظلت سنه أبی بکر وعمر ساریه بفرض استمرار الحظر على روایه أحادیث الرسول وکتابتها قرابه ۹۵ عاماً. وعندما بدأت حرکه العلوم فی العهد العباسی بالاتساع لم تجد دوله الخلافه ما یسوغ استمرار الحظر على روایه أحادیث الرسول وکتابتها، ولکنها لم تأمر ولم تنه. وهکذا بدأ الاهتمام بکتابه أحادیث الرسول (۱).
____________
(۱) راجع کتابینا الخطط السیاسیه لتوحید الأمه الإسلامیه، والمواجهه مع رسول الله وآله (القصه الکامله) تجد التفصیل والمراجع.