نشوء اتجاهین رئیسین فی حیاه النبی ( ص )

0

إن الاتجاهین الرئسین اللذین رافقا نشوء الامه الاسلامیه فی حیاه النبی ( صلى الله علیه وآله ) منذ البدء هما : أولا : الاتجاه الذی یؤمن بالتعبد بالدین وتحکیمه والتسلیم المطلق للنص الدینی فی کل جوانب الحیاه ( ۱) .  وثانیا : الاتجاه الذی لا یرى أن بالدین یتطلب منه التعبد إلا فی نطاق خاص من العبادات والغیبیات ، ویؤمن بإمکانیه الاجتهاد وجواز التصرف على أساسه بالتغییر والتعدیل فی النص الدینی وفقا للمصالح فی غیر ذلک النطاق من مجالات الحیاه (۲) ــــــــــــــــــــــــــــــ( ۱) هذا هو اتجاه مدرسه أهل البیت علیهم السلام واتجاه التشیع . ( ۲) هذا هو اتجاه المدرسه الاخرى من المذاهب السنیه . = ( * )    وبالرغم من أن الصحابه ، بوضفهم الطلیعه المؤمنه والمستنیره ، کانوا أفضل وأصلح بذره لنشوء أمه رسالیه ، حتى أن تاریخ الانسان لم یشهد جیلا عقائدیا أروع وأنبل وأطهر من الجیل الذی أنشأه الرسول القائد ( ص ) . وبالرغم من ذلک نجد من الضروری التسلیم بوجود اتجاه واسع ، منذ کان النبی حیا ، یمیل إلى تقدیم الاجتهاد فی تقدیر المصلحه ، واستتناجها من الظروف ، على التعبد بحرفیه النص الدینی ، وقد تحمل الرسول ( صلى الله علیه وآله ) المراره فی کثیر من الحالات بسبب هذا الاتجاه حتى وهو على فراش الموت فی ساعاته الاخیره على ما یأتی ( ۱) ، کما کان هناک اتجاه آخر یؤمن بتحکیم الدین والتسلیم له والتعبد بکل نصوصه فی جمیع جوانب الحیاه . وقد یکون من عوامل انتشار الاتجاه الاجتهادی فی صفوف المسلمین انه یتفق مع میل الانسان بطبیعته الى التصرف وفقا لمصلحه یدرکها وبقدرها ، بدلا عن التصرف وفقا لقرار لا یفهم مغزاه .ــــــــــــــــــــــــــــــراجع للتفصیل : معالم المدرستین / العلامه السید مرتضى العسکری . وراجع أیضا : مناهج الاجتهاد – الدکتور محمد سلام مدکور / مطبوعات جامعه الکویت . ( ۱) راجع صحیح البخاری / ج ۸ / ص ۱۶۱ کتاب الاعتصام . لاحظ المواقف التی لم یتعبدوا فیها بالنص . ما حدث فی عدم إنفاذ سریه اسامه ، واعتراضهم وما حدث عند اراده کتب الکتاب عندما قال النبی ( صلى الله علیه وآله ) ( هلموا اکتب لکم کتابا لن تضلوا بعدی . . . ) ولاحظ الموقف من صلح الحدیبیه . راجع کتب التواریخ والروایه فیما ذکرنا . والمناقشه والتفصیل : المراجعات / السید العلامه عبد الحسین شرف الدین . مؤسسه دار الکتاب اسلامی تحقیق وتعلیق حسین الراضی – تقدیم الدکتور حامد حفنی والشیخ محمد فکری أبو النصر . ( * )
 وقد قدر لهذا الاتجاه ممثلون جریئون من کبار الصحابه من قبیل عمر بن الخطاب الذی ناقش الرسول ( صلى الله علیه وآله ) ، واجتهد فی مواضع عدیده ، خلافا للنص ایمانا منه بجواز ذلک ما دام یرى أنه لم یخطی المصلحه فی اجتهاده .
وبهذا الصدد یمکننا ان نلاحظ ، موقفه من صلح الحدیبیه واحتجاجه على هذا الصلح ) ( ۱) ، وموقفه من الاذان وتصرفه فیه باسقاط ( حی على خیر العمل ) ( ۲) وموقفه من النبی حین شرع متعه الحج ( ۳) ـــــــــــــــــــــــــــــ( ۱) راجع السیره النبویه / لابن هشام / القسم الثانی / ص ۳۱۶ / ۳۱۷ ، تحقیق مصطفى السقا وآخرین دار الکنوز الادبیه بیروت . وراجع أیضا : تاریخ الطبری / ج ۲ / ص ۱۲۲ . ( ۲) راجع شرح التجرید / القوشجی / آخر مبحث الامامه قال : کانت همم اولى الامر منصرفه الى نشر الدعوه الاسلامیه وفتح المشارق والمغارب وفتح الممالک لا یکون الا بتشویق الجند الى التورط فی سبیله بالمهالک ، بحیث یشربون فی قلوبهم الجهاد ، حتى یعتقدون أنه خیر عمل یرجونه ، یوم المعاد . ولذا ترجح فی نظر هم إسقاط هذا الفصل یعنی حی على خیر العمل – فی الاذان – تقدیما لتک المصلحه على التعبد بما جاء به الشرع الاقدس ، فقال الخلیفه الثانی على المنبر : ثلاث کن على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهن ، وأحرمهن ، وأعاقب علیهن ، متعه النساء ومتعه الحج ، وحی على خیر العمل . ( ۳) التاج الجامع للاصول فی احادیث الرسول / الشیخ منصور على ناصف من علماء الازهر الشریف / ج ۲ / ص ۱۲۴ – کتاب الحج – عن ابی حمزه الضبعی قال : تمتعت فنهانی ناس عن ذلک فسالت ابن عباس ، فأمرنی بها ثم انطلقت الى البیت فتمت فأتانی آت فی منامی فقال : عمره متقبله وحج مبرور قال : فاتیت ابن عباس فاخبرته بما رایت فقال : الله اکبر الله اکبر سنه ابی القاسم ( صلى الله علیه وآله ) ورواه مسلم والبخاری . . . وعن عمران بن حصین قال : نزلت آیه المتعه فی کتاب الله ففعلناه مع رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ولم یحرمها قرآن ، ولم ینه عنها حتى ورواه الشیخان قال الشیخ ناصف فی الهامش ( * )
الى غیر ذلک من مواقفه الاجتهادیه ( ۱) . وقد انعکس کلا الاتجاهین فی مجلس الرسول ( صلى الله علیه وآله ) فی آخر یوم من أیام حیاته فقد روى البخاری فی صحیحه عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله الوفاه وفی البیت رجال فیهم عمر بن الخطاب ، قال النبی ( صلى الله علیه وآله ) هلم اکتب الکم کتابا لن تضلوا بعده . فقال عمر : إن النبی ( صلى الله علیه وآله ) قد غلب علیه الوجع وعندکم القرآن ، حسبنا کتاب الله . فاختلف أهل البیت فاختصموا ، منهم من یقول ، قربوا یکتب لکم النبی کتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من یقول ما قال عمر ، فلما أکثروا اللغو والاختلاف عند النبی قال لهم : قوموا ( ۲) . وهذه الواقعه وحدها کافیه للتدلیل على عمق الاتجاهین ، ومدى التناقض والصراع بینهما . ویمکن أن نضیف إلیها – لتصویر عمق الاتجاه الاجتهادی وروسوخه – ما حصل من نزاع وخلاف بین الصحابه حول تأمیر اسامه ابن زید على الجیش بالرغم من النص النبوی الصریح على ذلک ، حتى خرج الرسول ( صلى الله علیه وآله ) وهو مریض – فخطب الناس وقال :  ــــــــــــــــــــــ( اشتهر النهی عن المتعه عن عمر وعثمان ومعاویه . ( ۱) راجع تفاصیل اوفی / النص والاجتهاد / العلامه عبد الحسین شرف الدین / ص ۱۶۹ / ۲۴۳ . ( ۲) راجع صحیح البخاری / کتاب العلم / ج ۱ / ص ۳۷ ، طبعه دار الفکر – بیروت / ۱۹۸۱ وراجع : الطبقات الکبرى / لابن سعد / ج ۲ / ص ۲۴۲ . ( * )
( یا أیها الناس من مقاله بغلتنی عن بعضکم فی تأمیر اسامه ، ولئن طعنتم فی تأمیری اسامه لقد طعنتهم فی تأمیر أبیه من قبل ، وأیم الله إن کان لخلیقا بالاماره ، وإن ابنه من لخلیق بها ) ( ۱) . وهذان الاتجاهان اللذان بدا الصراع بینهما فی حیاه النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، قد انعکسا على موقف المسلمین من إطروحه زعامه الامام للدعوه بعد النبی ( صلى الله علیه وآله ) . فالممثلون للاتجاه التعبدی وجدوا فی النص النبوی على هذه الاطروحه سببا بقبولها ، دون توقف أو تعدیل . وأما الاتجاه الاجتهادی فقد رأى أنه بامکانه أن یتحرر من الصیغه المطروحه من قبل النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، إذا ادى اجتهاده الى صیغه اخرى أکثر انسجاما – فی تصوره – مع الظروف . وهکذا ترى أن الشیعه ولدوا منذ وفاه الرسول ( صلى الله علیه وآله ) مباشره متمثلین فی المسلمین الذین خضعوا عملیا لاطروحه زعامه الامام وقیادته التی فرض النبی الابتداء بتنفیذها من حین وفاته مباشره ، وقد تجسد الاتجاه الشیعی ، منذاللحظه الاولى فی إنکار ما اتجهت إلیه السقیفه من تجمید لاطروحه زعامه الامام علی ، واسناد السلطه الى غیره . ـــــــــــــــــــــــ(۱) راجع الطبقات الکبرى / لابن سعد / ج ۲ / ص ۲۴۸ ، وراجع أیضا الکامل فی التاریخ / لابن الاثیر / ج ۲ / ص ۳۱۸ / ۳۱۹ . ( * )   
ذکر الطبرسی فی الاحتجاج عن أبان بن تغلب قال : ( قلت لجعفر بن محمد الصادق : جعلت فداک ، هل کان أحد فی أصحاب رسول الله أنکر على أبی بکر فعله ؟ قال : نعم کان الذی أنکر علیه اثنا عشر رجلا ، فمن المهاجرین : خالد بن سعید : ابن أبی العاص ، وسلمان الفارسی ، وأبور ذر الغفاری ، والمقداد بن الاسود وعمار بن یاسر ، وبریده الاسلمی ، ومن الانصار : أبو الهیثم بن التیهان ، وعثمان ابن حنیف وخزیمه بن ثابت ذو الشهادتین ، وأبی بن کعب ، وأبو أیوب الانصاری ) (۱) . وقد تقول : إذا کان الاتجاه الشیعی یمثل التعبد بالنص ، والاتجاه الاخر المقابل له یمثل الاجتهاد ، فهذا یعنی أن الشیعه یرفضون الاجتهاد ولا یسمحون لانفسهم به ، مع انا نجد أن الشیعه یمارسون عملیه الاجتهاد فی الشریعه دائما !  والجواب : إن الاجتهاد الذی یمارسه الشیعه ویرونه جائزا بل واجبا ، وجوبا کفائیا ، هو الاجتهاد فی استنباط الحکم الشرعی من النص الشرعی ، لا الاجتهاد فی النص الشرعی لرأی یراه المجتهد أو لمصلحه یخمنها (۲) ، فإن هذا غیر جائز ، والاتجاه الشیعی یرفض أی ممارسه للاجتهاد بهذا المعین ، ونحن حینما نتحدث عن قیام اتجاهین منذ صدر الاسلام : أحدهما : اتجاه التعبد بالنص ، والاخر : اتجاه الاجتهاد ونعنی بالاجتهاد هنا ، الاجتهاد فی رفض النص أو قبوله . ــــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الاحتجاج / الطبرسی / ج ۱ / ص ۷۵ نشر مؤسسه الاعلمی – بیروت / ۱۹۸۳ ( الشهید ) وراجع : تاریخ الیعقوبی / ج ۲ / ص ۱۰۳ . (۲) راجع : المعالم الجدیده للاصول / الشهید الصدر ( رض ) ص ۲۳ وما بعدها ففیه تفصیل واف لتطور دلاله الاجتهاد وأنه کان مما یتحرج منه إذ کان یراه به ( المبدأ الفقهی الذی ( * )
وقیام هذین الاتجاهین شئ طبیعی فی ظل کل رساله تغییریه شامله تحاول تغییر الواقع الفاسد من الجذور فانها تتخذ درجات مختلفه من التأثیر حسب حجم الرواسب المسبقه ومدى انصهار الفرد بقیم الرساله الجدیده ودرجه ولائه لها . وهکذا نعرف أن الاتجاه الذی یمثل التعبد بالنص یمثل الدرجه العلیا من الانصهار بالرساله والتسلیم الکامل لها ، وهو لا یرفض الاجتهاد ضمن إطار النص ، وبذل الجهد فی استخراج الحکم الشرعی منه (۱) ــــــــــــــــــــــــــــیتخذ من التفکیر الشخصی مصدرا من مصادر الحکم وقد دخلت الحمله ضد هذا المبدأ الفقهی دور التصنیف فی عصر الائمه ایضا والرواد الذین حملوا آثارها . . . ) فالاجتهاد هنا إذا اعتبر دلیلا من ادله الفقیه ومصدرا من مصادر یستدل به إذا لم یتوفر عنده النص ، هذا النوع من الاجتهاد ، وهو ما نادت به مدارس کثیره فی الفقه السنی کمدرسه ابی حنیفه ، مرفوض
وقد قال الطوسی : ( اما القیاس والاجتهاد عندنا فلیسا بدلیلین بل محظور فی الشریعه استعمالهما ولکن عندما تطور مفهوم الاجتهاد وصار یعنی عملیه استنباط الحکم من النص ای صار یرادف عملیه الاستنباط اصبح مقبولا ومعمولا به وراجع أقسام الاجتهاد وأنواعه ، ونطاقه : الاصول العامه للفقه المقارن / العلامه محمد تقی الحکیم / ص ۵۶۱ وما بعدها . (۱) راجع : : الاصول العامه للفقه المقارن / محمد تقی الحکیم / ص ۵۶۳ . ( * )
ومن المهم أن نشیر – فی هذا الصدد أیضا – الى أن التعبد بالنص لا یعنی الجمود والتصلب الذی یتعارض مع متطلبات التطور وعوامل التجدید المختلفه فی حیاه الانسان ، فإن التعبد بالنص معناه – کما عرفنا – التعبد بالدین ، والاخذ به کاملا ، دون تبعیض ، وهذا الدین نفسه یحمل فی أحشائه کل عناصر المرونه والقدره على مسایره الزمن واستیعابه ، بکل ما یحمل من ألوان التجدید والتطور ، فالتعبد به وبنصه تعبد بکل تلک العناصر ، وبکل ما فیها من قدره على الخلق والابداع والتجدید . (۱) هذه خطوط عامه فی تفسیر التشیع ، بوصفه ظاهره طبیعیه فی إطار الدعوه الاسلامیه ، وتفسیر ظهور الشیعه کاستجابه لتلک الظاهرد الطبیعیه . ـــــــــــــــــــــــــ(۱) راجع : المعالم الجدیده للاصول / ص ۴۰ . ( * )

Leave A Reply

Your email address will not be published.