الشباب بین الثقافه الغربیّه وجهل الأهل!
وهذه الحقیقه من البدیهیّات التی لا یمکن لأحد نفیها، فالواقع الذی عشناه ویعیشه شبابنا الیوم خیر شاهد على ذلک. وقد تنبّه الغرب والإستکبار إلى هذه الأمور الفطریّه الموجوده لدى شباب کلّ المجتمعات ـ الإسلامیّه منها وغیرها ـ، ووجدها مناسبه لنشر ثقافته الفاسده فی کافّه بلدان العالم، مما یسمح له فی المستقبل القریب أو البعید من فرض وجوده وسیطرته على تلک البلاد وخیراتها، دون الحاجه لخوض حروبٍ عسکریّهٍ مدمّرهٍ.
فإنّ سماح الغرب للشباب الدخول والخوض فی کلّ ما یشتهونه دون رقیبٍ وحسیب بحجّه الحرّیّه، وتوفیر المجالات الکثیره اللازمه لذلک، کان الهدف منه جذب الشباب إلى ثقافته من خلال تلک الطاقه والقدره التی یمتلکها الشاب، فیضطر اللجوء والخوض فی تلک المجالات الفاسده، غیر مدرکٍ خطورتها، خصوصاً إذا کانت مصحوبه بشّعارات رنّانه وجذّابه.
وأیضاً إشاعه الإستکبار من خلال ـ الأفلام ووسائل الإعلام وغیرهما ـ حرّیّه التعبیر عن الرأی ـ حتى لو أدّى إلى عصیان الأب والأمّ ـ وإقناع الشباب بأنّ لهم التّصرف کیفما شاءوا، وأنّه لا یحقّ لأحدٍ الوقوف فی وجههم، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بمالهم وجسدهم مبرّراً ذلک أنّه لیس تعدّیاً على أحدٍ، والإنسان حرّ فیما یخصّه.
والأخطر من ذلک کلّه هو حبّ التغییر لدى الشباب، حیث یشعرون بأنّ کلّ جدیدٍ یعنیهم ویخاطب عصرهم، وهذا ما تفوّقت به الدّول الغربیّه على دولنا الإسلامیّه، فإنّها إستطاعت السیطره على أجیالنا من خلال التّکنولوجیه الحدیثه التی تلفت أنظر الکبار فضلاً عن الشباب. وهذه التکنولوجیه کان لها الدّور الکبیر فی جذب شبابنا إلى الثقافه الغربیّه، فلو لاحظنا ـ قلیلاً ـ المنتجات الغربیّه لوجدنا فی أغلبها ما ینشر تلک الثقافه الفاسده! فعلى سبیل المثال إنّ أفلامها المصوّره بکیفیّه عالیه تجذب إنتباه شبابنا، وتُنشر فیها الثقافه بکلّ وضوحٍ، وکذلک الألعاب الإلکترونیّه ـ التی لا یکاد یخلو بیت منها ـ لو دقّقنا بها لوجدنا أنّها إمّا تحمل شعاراً یرمز إلى تلک الثقافه، وإمّا أنّ الألعاب الموجوده فی داخلها تمثّل فساداً وإنحطاطاً لا یوصفان! هذا فیما یخصّ الثقافه الغربیّه.
ومن جهه أخرى یواجه الشاب، فی أسرنا التّقلیدیّه نوعاً آخراً من المشاکل، یتمثّل بالمنع عن کلّ شیء غیر متعارف وغیر تقلیدیّ من دون السؤال والإطّلاع علیه، بل لمجرّد کونه غریباً وغیر مألوفاً یعتقد أکثر الأهل أنّه یجب محاربته، بل یعتقد البعض من مَن یرفع شعار الإسلام، أنّ التغییر فی اللباس والشّکل الخارجی یعنی الفساد والإنحراف، ویمنع أولاده من مخالطه أمثال هؤلاء الشباب، دون الإطّلاع على أخلاقهم وسلوکیّاتهم. طبعاً ولا نرید أن نظلم الأباء والأمّهات فالکثیر منهم یقوم بأمثال هذه التّصرّفات خوفاً من إنحراف أولاده، خصوصاً مع شیاع الثقافه الغربیّه. وأمّا النقاش بین الأهل والأولاد فهو مرفوضٌ رفضاً قاطعاً، بحجّه أنّ الأهل أعلم من أولادهم فی أمور الحیاه، أو لکثره إنشغالهم وعدم وجود الوقت الکافی لمناقشه تلک الأمور، فعلى الأولاد أن یأخذوا کلام الأهل وکأنّه منزل من السماء. لکنّ الإنصاف أنّ أکثر هذه التّصرّفات تعود إلى الجهل وعدم التّمکّن من إقناع الشباب وبیان مدى تأثیر تلک الثقافه على حیاتهم، فلو إستطاع الأهل توجیه أولادهم بالأسلوب الصحیح، لما تمکّن الغرب من إقناعهم بثقافته الفاسده، بل لتمکّن شبابنا الإستفاده من التّطوّر والتّکنولوجیه الغربیّه دون الإنحراف.
وبین هذا وذاک یأتی الإسلام الأصیل لیرشد الأهل إلى کیفیّه تربیّه أولادهم ومعاشرتهم والتّعامل معهم، دون قمع رغباتهم وحبّهم للکمال والتّغییر، بل الإسلام أرشدنا إلى طریقٍ لو مشینا علیه لقدّمنا لأولادنا شخصیّه نموذجیّه دون أن تتعارض مع قیمنا وأخلاقنا ومصالحنا، ومن هذه التّعالیم ما ورد عن رسول الله قائلاً: (لاعب إبنک سبعاً، وأدّبه سبعاً، ثمّ أترک له الحبل على الغارب)، فإنّ من حقّ الولد أن یلعب معه أبوه وأمّه فی بدایه طفولته، ومن ثمّ یجب علیهما تأدیبه وتربیته، وأخیراً أن یترکا له الحبل على الغارب، أی: یخلّیاه السبیل، وبهذا یکونا قد عملا ما علیهما فعله، وقد جهّزاه للخوض فی الحیاه ومشاکلها، وحمّلاه مسؤولیّه کافیه لمواجهه الأخطار.