التآلف والتسامح فی القرآن الکریم
للإنسان علاقات فاعله یرجع إلیها الحکم فی تحرکاته مع من حوله من بنی البشر، تقف فی قبال العلاقات الثابته مع ما سواهم فی قائمه الوجود، فهذه لیست إلا علاقه من طرف واحد تنحصر الفائده فیها بالإنسان!
ولکن ولکی یکون التفاعل بمستوى الطموح فإنه یتطلب الوقوع على أکبر کم من الافتراضات الأساسیه [۱] للبرمجه الأخلاقیه القرآنیه فهی ملیئه بکلمات القوه والقدره على تصعید وتیره العلاقات الإیجابیه..
وهناک ثلاث محاور مؤکدات فی الفرضیات القرآنیه الذی هو مصدر الفیض الفکری والمعنوی الإسلامی والمحاور هی: الإلفه.. التسامح.. العفو.
وإن هذه مراحل قد تتقارب فی المفهوم ولا یخلص إحدها عن الآخرى إلا بعد الإبصار بالفوارق الدقیقه بینها.
التألف: هو المداراه والاستیناس [۲] .
المسامحه: المساهله وتسامحوا تساهلوا والتسامح من المسامحه [۳] . العفو: ویکون بمعنى المحو ﴿ فَمَنْ عُفِیَ لَهُ مِنْ أَخِیهِ شَیْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وتأتی بمعنى أخذ المیسور﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ أی المیسور من أخلاق الناس ولا تستقص علیهم [۴] ، ولکنه بهذا التعریف یمکن عده بندا من بنود التسامح إذا جعلنا التساهل أعم من الرفق وأخذ المیسور..
السلوکیات الثلاث مورد اهتمام الملائکه:
لقد جاء منطق الملائکه مشفقا من أن یؤول أمر الخلق الذی سمعوا لإعلانه الجدید إلى علاقه تنافر تجر ورائها کل ألوان العنف وسیطرته على الأرض فیسری الإفساد ویتجشم فیه هذا المخلوق کل مشقه ویخوض کل غمره وسیکون أخطرها سفک الدم کل ذلک عندما تغیب علاقه التواؤم والتلاحم فی طبائعها الثلاثه الرئیسه: التآلف.. التسامح.. العفو..
قال من له الحجه جمیعا: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلَائِکَهِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَهً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِیهَا مَنْ یُفْسِدُ فِیهَا وَیَسْفِکُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَنُقَدِّسُ لَکَ قَالَ إِنِّی أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [۵] .
وهکذا تتحول عناویننا المطروحه إلى مواثیق!
حینما یکون المخلوق عاقلا فإنه لا یحتاج إلى تسییر ولا إلى جبر وقسر على الاستقامه وفق الطریقه التی هتف بها القرآن ذات مره فقط: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِیقَهِ لَأَسْقَیْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [۶] ، بل إن تسییره یساوی الشهاده على نقص خلقه وعدم قابلیه هذا العقل الذی هو من أحب ما خلق الله تعالى للإرسال..
بینما سیکون الاعتماد على العقل کلیا وفی المهام الصعبه التی ینفذ إلیها بقوه إدراکه شاهد فی المقابل یقر له بکمال القوه التی بها یستطیع أن یستقل فی حاجته کما أن صحه اللوم فی الذوق لمن یعقل ولا یعمل ومن ثم استحقاق الجزاء شاهدان على کماله فی نفسه لنا أن نتصور شاهدا على یمینه وآخرعلى شماله.
ولأجل أن لا یتوهم کونه مسیرا أو ناقصا غیر کامل ذکر فی القرآن بمیثاقه المشتمل على المواثیق الثلاثه «التآلف والتسامح والعفو» یقول ملک یوم الدین: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِیثَاقَ بَنِی إِسْرَائِیلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا وَذِی الْقُرْبَى وَالْیَتَامَى وَالْمَسَاکِینِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِیمُوا الصَّلَاهَ وَآتُوا الزَّکَاهَ ثُمَّ تَوَلَّیْتُمْ إِلَّا قَلِیلًا مِنْکُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [۷] وعندما نرکز النظر فی المیثاق القرآنی نجده یفشی أطروحه إلهیه للتآلف والتواصل تشتمل على طرف إیجابی یتبعه طرف سلبی..
أما الإیجابی: وهو ما عبرنا به من الذکر الحکیم ویشتمل على ثمانیه أهداف یحققها المتآلف والمتسامح.
وأما السلبی: فتطالعنا به الآیه الملاصقه لتلک یقول ملک الناس: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِیثَاقَکُمْ لَا تَسْفِکُونَ دِمَاءَکُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [۸] ، وتضم صورتین هما الأخطر فتکا بالتآلف والتألف الاجتماعی، الإخراج من الدیار، أو الاخراج من الدار الدنیا بسفک الدم؟!
العفو الوجه المشرق للتسامح:
إنه الوسیله الانسانیه الأقوى لإطفاء نار الانتقام فی النفوس، وللتنفیس عن الغضب والابتعاد عن التشفی بالآخر؛ لأن هذه سمات وأحاسیس تظهر القبح الفاعلی إذ قد یمارس ابن الانسان معروفا یرجع إلى الحُـسْن الفعلی ولکن بقبح فاعلی ــــ هذا فی القاموس الکلامی ــــ وبنفس مخنوقه ومریضه ــــ فی المعجم النفسی المعاصر ــــ لهذا ربما کان الحق مشروعا ولکن یتوسط الشرع الکریم بمشوره العفو عن الحق لحمایه النفس من هذا القبح وهذه الأمراض الروحیه..
لهذا أمر بالعفو حتى فی أجواء القصاص یقول من إلیه مرجع العباد: ﴿ فَمَنْ عُفِیَ لَهُ مِنْ أَخِیهِ شَیْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَیْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِکَ تَخْفِیفٌ مِنْ رَبِّکُمْ وَرَحْمَهٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِکَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِیم ﴾ [۹] .
فماده «ع. ف. ى» بکل تصریفاتها مرآه للمعنى الروحانی الذی لا یمیل ولا یحیف ولا یجافی وهذه مخاییل التقوى کما هو وصف ذی الجلال: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [۱۰] .
مفاتیح التآلف والصفات العاضده له:
لقد شغل القرآن حیزا منه بعرض خارطه الطریق إلى الإنسانیه المشترکه فی مرکبها الثلاثی «التآلف والتسامح والعفو»، ولکنه تعامل مع هذه المفردات ککلمات أجنبیه تقتضیه تفسیرا وتبیینا للناس فنزلها منزله الکلمات التی قد ینطق بها الناطق ولکن لا یشعر بانسباق أی معنى إلى ذهنه أو یصل إلیه المعنى المجازی أو الکنائی قبل الحقیقی، وهذا أسلوب ینتجعه القرآن الکریم للفت العقول
وفی ظل هذا أطال قرآننا المجید الترکیز على هذا العدد البسیط من الکلمات وربطها بآلتها السلوکیه الاتیه.. إذن هی سلوک فی جذر سلوک بل جذور سأضع لها سلسله فی ذهن القارئ لیعد حلقاتها کالتالی:
۱ ـــ فمن القواعد المهمه الاختلاط: یقول اللطیف الخبیر: ﴿ وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الْیَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَیْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُکُمْ وَاللَّهُ یَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ [۱۱] فبالرغم من شده حراجه الموقف وصعوبه المرحله فی التعامل مع الیتیم إلا أن الخطاب الحکیم لم یتجه بالمسؤولیه إلى ترک المخالطه بل إن التعبیر بـ﴿ إخوانکم ﴾ مشعر منذر بحاجتهم المعنویه إلى المتألفین لهم فالتخلی عنها تخلی عنهم؟!
وفی الآیه نسبه أخرى إلى مبدأ التألف ننتظر بها نهایه الورقه!
۲ ـــ ومن مجددات الطاقه فی العشره: الروحانیه والعباده:
فهذا ما قد أوضحه الواحد القهار: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئًا وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا وَبِذِی الْقُرْبَى وَالْیَتَامَى وَالْمَسَاکِینِ وَالْجَارِ ذِی الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِیلِ وَمَا مَلَکَتْ أَیْمَانُکُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا یُحِبُّ مَنْ کَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [۱۲] .
فإنه قد جعل الورود التسع فی باقه الإحسان مجرورات وراء عباده الله تعالى والحذر من الشرک به جلیا کان أو خفیا؛ إذ قد یشرک السالک بین الله ورغبات نفسه وهنا یتوقف النزاع بین أمر الله والنفس بالطاعه وقوف الحق بین یدی المتنازعین؟!
وإنه سبحانه وله الحمد لم یضع الندبه إلى تلک المکارم خلف الندبه إلى عبادته إلا لأجل أن یکشف للمتنورین بالقرآن عن أن العباده تمنح الاستعدادات الروحانیه الکامنه بقاء أطول ونفسا أجمل؛ إذ لیس شکوى بنی البشر فیما نرى من تعثر برامج الإحسان لدیهم نقص فی الاستعداد فهو فطری ولکن ثمه مشکله عارضه وهی قاصریه التحمل وعدم عمق النفس "اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه وما قصرنا عنه فبلغناه… " [13]
۳ ـــ ومن أذرعه القوه لمن یرید التآلف فی صوره السلم: الخوف من الله تعالى: مما جاء به العزیز العلیم: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَیَّ یَدَکَ لِتَقْتُلَنِی مَا أَنَا بِبَاسِطٍ یَدِیَ إِلَیْکَ لِأَقْتُلَکَ إِنِّی أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِینَ ﴾ [۱۴] .
فالخوف من الله سبحانه یجعلک تقبل متألفا الآخر وإن لم یقبل هو علیک..
۴ ـــ ومن بین مصادر القوه أیضا حب الله جل وعلا: قال بدیع السموات والأرض: ﴿ فَسَوْفَ یَأْتِی اللَّهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَهُ أَذِلَّهٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّهٍ عَلَى الْکَافِرِینَ ﴾.
۵ ـــ ومن شروطها المعتبره تنظیم الصفوف للبرامج الدینیه: لتتم بحضور الجماعه أو تنسب إلیها وإن لم تکن الجماعه قد نزلت فی مکان واحد وزمان فارد.. وهذا ما یصفه اللطیف الخبیر وصفا جماعیا: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیَاءُ بَعْضٍ ﴾، ولما کان ذلک یکاد لا یتحقق دون مظهر أتبع قائلا: ﴿ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَیُقِیمُونَ الصَّلَاهَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاهَ وَیُطِیعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِکَ سَیَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾ [۱۶] .
فعدد وحدد الصفات بلفظ الجمع!
۶ ـــ ومن احتیاطات السلامه فی مبدأ التآلف والتعاطف: تشریع منهج الکلمه وحدود الکلمه ومسؤولیه الکلمه قال من کلمته هی العلیا: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِیلِ رَبِّکَ بِالْحِکْمَهِ وَالْمَوْعِظَهِ الْحَسَنَهِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ ﴾ [۱۷] .
التحالف نعمه إلهیه:
ففی أنصع إضاءه قرآنیه حول الموضوع یأتی قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْکُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَکُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَهٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَکُمْ مِنْهَا کَذَلِکَ یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمْ آیَاتِهِ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَأُولَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [۱۸] .
فهی تبرز نعمه التآلف المرغوبه لکل بنی البشر فی نطاق النعمه الوهبیه «ولیس الکسبیه»، التی تصدر من سجل المنن الإلهیه خاصه ویمکن أن تکون هذه الدعوى فی نقطه أقرب إلى البصیره مع قوله حسنت ألآؤه: ﴿ وَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِی الْأَرْضِ جَمِیعًا مَا أَلَّفْتَ بَیْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَکِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَیْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِیزٌ حَکِیمٌ ﴾ [۱۹] .
والمواد التی عجنت منها هذه النعمه ــــ الإلفه ــــ هی تعالیم الدین المبین وحبله المتین إذ قد فسر ذلک بالإیمان [۲۰] .
وهذه النعمه قمینه بالشکر الدائم الذی یجب أن یتمثل فی الاهتمام بها ودعم مواقفها سواء فی سطح العلاقات الثنائیه أو حتى العمومیه منها.. فعندها نتمکن من تلمس النعمه ولن یحتفظ النظر بصوره النعمه إلا إذا کان مرئ الضد فی ذهنه لذا قال تعالى: ﴿ إِذْ کُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ ﴾.
الجواب الأنسب لسؤال:
ما هو التسامح؟
إن التسامح یفهم بمعنى التحکم الذکی فی حجم ومساحه المشکله دون أن تکبر أو تتمدد فی الموقعیه النفسیه فیقبل على کل إساءه بالعفو، والعفو هذا بند من بنود التسامح کما صرح الوجه اللغوی فی رأس البحث.
والمتسامح قوی الأمل کثیر الترجی بعید التمنی فی الطرف المواجه له وبذلک یصبح صبورا على الآخر. وإذا اطلعنا على أن التسامح تطبیق لفکره الإحسان فإنه عملیه اختراق للنفسیات المأزومه دون الغفله عن کونها مأزومه أوحى الله تعالى: ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَهٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِیلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ ﴾ [۲۰] .
فمع الاطلاع على الخائنه منهم وقله الموفین حمل وبلسان مولوی على العفو والصفح لأن العفو والصفح إحسان یناسبه خاتمه الآیه﴿ إن الله یحب المحسنین ﴾.
وقد جاء کل ذلک فی سبیل أن ندرک من هذا النوع للتآلف والتسامح أمرین: –
۱ ــ ان الصفح والعفو إحسان یحمل السقیم على الصحه والفاسد على الصلاح ولو فی طول أمد وهذا ما یتحمل الصبر علیه الأنبیاء عاده.
۲ ــ أن لا ینشغل ولا ینصرف فیما لا یکون ضرره ظاهر أو یکون ضرره علیه خاصه کما فی التنزیل المجید: ﴿ لَعَلَّکَ بَاخِعٌ نَفْسَکَ أَلَّا یَکُونُوا مُؤْمِنِینَ ﴾ [۲۱]
· صور ذات نضاره وغضاره:
ولیست صورا لمواقف بل هی صور لمبادئ یتعین الحذو حذوها، وسیقل التعلیق فی مواردها لئلا یؤثر على جمالیتها المشعه:
أ» الالفه لطافه تسمح بالتدخل فی بعض خصوصیات الفرد:
ومن أخص الخصوصیات البیوت وقد فتح الله عز وجل بمفتاح الالفه والتقارب إحدى عشر بابا لاحدى عشر بیتا وجعل بعضها یطل على بعض وإن بعدت الشقه قال تعالى جده: ﴿ لَیْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ… وَلَا عَلَى أَنْفُسِکُمْ أَنْ تَأْکُلُوا مِنْ بُیُوتِکُمْ أَوْ بُیُوتِ آبَائِکُمْ أَوْ بُیُوتِ أُمَّهَاتِکُمْ أَوْ بُیُوتِ إِخْوَانِکُمْ أَوْ بُیُوتِ أَخَوَاتِکُمْ أَوْ بُیُوتِ أَعْمَامِکُمْ أَوْ بُیُوتِ عَمَّاتِکُمْ أَوْ بُیُوتِ أَخْوَالِکُمْ أَوْ بُیُوتِ خَالَاتِکُمْ أَوْ مَا مَلَکْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِیقِکُمْ لَیْسَ عَلَیْکُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْکُلُوا جَمِیعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُیُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِکُمْ تَحِیَّهً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَکَهً طَیِّبَهً کَذَلِکَ یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمُ الْآیَاتِ لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [۲۲] .
ب» بل إن الالفه والانسجام إذا بدأ بطریقه التعارف والتدارس فسوف یفتح ابواب الحدود الإقلیمیه لیربط بین الشعوب وهذه هی دعوه الحق: ﴿ یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ ﴾ [۲۳]
ج» التسامح والعفو یشیع الأمان فی المجتمع بطریقه مثالیه وهی تصغیر الجاهل الذی لا تکبر المشکله إلا إذا کـُـــبّـرَ، والآیه هی: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِینَ یَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [۲۴] .
ما یشین الالفه..
تمتزج الالفه بما یذهب بصفائها کما یمتزج الماء بما یجاوره فیأخذ شیئا من ریحه أو طعمه أو لونه وهنالک یرفع بنو البشر عنه الید لصالح الوارده من الدواب؟! ولم تـُهَمّش هذه القضیه فی القرآن ولکن رصدها فی آیات متناثرات على صفحات النور والکتاب المسطور وأنى لی أن أجردها هنا ولکن حسبی أن ألتقط منها ما نطمئن معه بسببیه بعض السلوکیات فی قطع الجاذبیه بین المتآلفین:
۱ التشتت الدینی:
إن من أعمق أسباب التفرق على الاطلاق هو الانقسامات الدینیه والتی تحدث فی الدین أو المذهب الواحد عندما لا یکون أهل ذلک المذهب بمستوى من القدره على التسامح والتآلف، وقد ألمع إلیها القرآن یقول: ﴿ إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَکَانُوا شِیَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِی شَیْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ یُنَبِّئُهُمْ بِمَا کَانُوا یَفْعَلُونَ ﴾ [۲۵] .
۲ العنایه بالرأی الذاتی:
وأوسط مثال یتجانف بنا عن الحساسیات أن یعتد الانسان برأیه فی الآخرین ویفتح لنفسه شغلا یومیا وهو التعمق فیمن حوله وهو تحرک أراد له القرآن أن یشل قال الله العظیم: ﴿ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَتَبَیَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَیْکُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَیَاهِ الدُّنْیَا ﴾ [۲۶]
فقد کان لبعض المسلمین فی الصدر الأول اجتهادات ترتب علیها سفک للدماء المحرمه وقد تبرأ الرسول صلى الله علیه واله منها!!
وهنا مثال قرآنی آخر یقول رب العزه والجلال: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاهِ وَالْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَیْکَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَیْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِکَ عَلَیْهِمْ مِنْ شَیْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَکُونَ مِنَ الظَّالِمِین ﴾ [۲۷]
فحسب معطى الآیه یکفی لللوذان بالصمت حیال المستجد دینیا أومن لم ینکشف أمره أن یراجع الإنسان نفسه بسؤالین:
هل علیّ من حسابهم من شیء؟
ألا أخاف أن أکون من الظالمین فی نهایه المواجهه؟
۳ الغلظه والفضاضه:
نقرأ جمیعا: ﴿ فَبِمَا رَحْمَهٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ کُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ [۲۸] .
فاللین الوهبی کما هو ظاهر التعبیر بالرحمه التی ربما فسرت بالعصمه، أو الکسبی، وکذا العفو عنهم أبرزا بدءا وختاما کبدل عن الفظاظه والغلظه التی تدعو للانفضاض عنه وترک الانقضاض علیه!
۴ المن والأذى:
قد یتألف الغنی والمستطیل الفقراءَ بالمنحه والنحله وتهیئه الملبوس والمأکول والمشروب لیزیده قربا منهم وهذا من طبع العطاء وصمیم بسط الید إلا أن خطیئه واحده وجنیه لا یزید علیها شیء وهی المن والأذى یقلب التألف إلى حقیقه أخرى لم یکن سعی الساعی من أجلها یقول الجواد بالعطیات: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَهٌ خَیْرٌ مِنْ صَدَقَهٍ یَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِیٌّ حَلِیمٌ ﴾ [۲۹] .
۵ النزعات القومیه:
وهی شکل من اشکال الحمیه الجاهلیه تولد الکثیر من المساوئ وقد تصل إلى حد التراشق الاعلامی الذی یمتلئ باستبساط العقول وتحقیر الطاقات والتشکیک فی صلاحیه الجوار «سوء الظن»، فیندفع الانسان أو القومیه فی التعبیر عما یؤکد تلک الانطباعات الجائره.. هکذا فی الذکر الحکیم: ﴿ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لَا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ یَکُونُوا خَیْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ یَکُنَّ خَیْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَکُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ ﴾ [۳۰] .
واللافت فی الآیه الشریفه تخطئتها للثقه المفرطه بالنفس أو الموقعیه فیظن بنفسه أو بشعبه وموقعیتهم التقدم والارتفاع على شرکاء المحیط، فخاطبه القرآن بما یعترف به وعیه الباطن وهو التقدیر ومشروعیه توقع النجاح والفوز عند الآخر ﴿ عسى أن یکونوا ﴾… ﴿ عسى أن یکنّ ﴾..
و التقدیر أو التوقع الحسن إیجابیه فی النظره وهی لا تجتمع مع الطریقه السیئه فی التعامل فبتحقق النظره العادله تتبدل موازین العلاقه مع الآخر إلى الأحسن والعکس من العکس.
المؤمن جندی متعاون:
وهکذا توسع القرآن الکریم فی هذا الموضوع حتى بین للناس أن الإلفه وما یلحقها خطوط عریضه فی هذه الحیاه التی یجب أن لا تخلو من القانون الذی یرتفع بها عن مشابهه حیاه الغابه، قال الجلیل فی محکم التنزیل ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتَّى تَفِیءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [۳۱] .
فکأنه یخاطب کل مؤمن بالقول: أن الالفه والتسامح والعفو لیس قضیه خاصه فیما تجده علاقه فعلیه بالنسبه لک وفقط.. بل هی قضیه الإنسانیه الأهم والأعم من بین قضایاها فأن مسؤولیتک لا تقف عند الرابطه بینک وبین الآخر فیما جمعتکم علیه الحیاه من أمر معنوی «کالنسب» أو واقعی مادی.. بل ستبقى مخاطبا بالمسؤولیه عن روابط الآخرین فیما بین بعضهم البعض إذا آلت إلى الخراب والاضطراب فیجب أن تتقدم من باب الهم الإنسانی وتقوم بدور الترمیم والتوضیب.
فأنت جندی یخلص لوظیفه الإصلاح، والعدل، والقسط، بغمض النظر عن أطراف الخصومه إن کانوا یعنونک أو لا یعنونک﴿ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ ﴾ [۳۲] .
فلهی مهمه تـَـطردُ فی کل أشکال الخلل فی العلاقات وإن لم تکن فی بُـعدِ الحربِ والقتال فلا یصح الاعتذار من أحد عن دور الوساطه وترمیم العلاقه المتأثره بأنها صغیره أو أنها من الشأن الخاص، کیف وإن من هتافات القرآن الأخرى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَهٌ فَأَصْلِحُوا بَیْنَ أَخَوَیْکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [۳۳] .
فالصلاح والإصلاح وظیفه شامله لکل حالات الفساد وإن کانت فی أموال القصر الذین لا یملکون الید ولا اللسان لصون أنفسهم وممتلکاتهم الشرعیه، إذن هی لیست مهمه خاصه بوضعیات التخاصم والتدافع المباشر، هذا وفقا لما أشرنا إلیه فی المفتاح الأول من مفاتیح التآلف عند قول ذی الجلال: ﴿ وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الْیَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَیْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُکُمْ وَاللَّهُ یَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ [۳۴] .
ـــــــــــــ
[۱] مصطلح برمجی عصبی راجع إلى فرضیه أهل البیت ع بین الأساسیه والبرمجه اللغویه العصبیه.
[۲] مجمع البحرین: ج۵/۱۶٫
[۳] ن/م: ۱/۵۲۰٫
[۴] ن/م: ۱/۱۸۵٫
[۵] البقره: ۳۰٫
[۶] الجن: ۱۶٫
[۷] البقره: ۸۳٫
[۸] البقره: ۸۴
[۹] البقره: ۱۷۸٫
[۱۰] البقره: ۲۳۷٫
[۱۱] البقره: ۲۲۰٫
[۱۲] النساء: ۳۶٫
[۱۳] مفاتیح الجنان: ۱۸۲٫
[۱۴] المائده: ۲۸٫
[۱۵] المائده: ۵۴٫
[۱۶] التوبه: ۷۱٫
[۱۷] النحل: ۱۲۵٫
[۱۸] آل عمران: ۱۰۳٫
[۱۹] الأنفال: ۶۳٫
[۲۰] المائده: ۱۳٫
[۲۱] الشعراء: ۳٫
[۲۲] النور: ۶۱٫
[۲۳] الحجرات: ۱۳٫
[۲۴] الفرقان: ۶۳٫
[۲۵] الأنعام: ۱۵۹٫
[۲۶] النساء: ۹۴٫
[۲۷] الأنعام: ۵۲٫
[۲۸] آل عمران: ۱۵۹٫
[۲۹] البقره: ۲۶۳٫ ۵٫
[۳۰] الحجرات: ۱۱٫
[۳۱] الحجرات: ۹
[۳۲] ن/م.
[۳۳] الحجرات: ۱۰٫
[۳۴] البقره: ۲۲۰٫