تجسّم الأعمال من منظار العقل
انّ طائفه من المفسّرین والمتکلّمین أنکروا النظریه وذهبوا إلى امتناع تجسّم الأعمال، ومالوا إلى تأویل الآیات والروایات الوارده فی هذا المجال، والعمده فی دلیلهم هو: انّ الأعمال التی یقوم بها الإنسان من مقوله العرض، وعلى هذا الأساس ستواجه نظریه تجسّم الأعمال إشکالین أساسیّین، هما:
۱٫ انّ الأعمال من مقوله العرض، والعرض قائم بالجوهر، ومعنى تجسّمها تحقّق العرض بلا جوهر، وهذا أمر محال.
۲٫ انّ ما یقوم به الإنسان من الأعمال الصالحه أو الطالحه یفنى بعد تحقّقه، فکیف یمکن إعادته بعد انعدامه؟
یقول الشیخ الطبرسی فی تفسیر قوله سبحانه: ( یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مُحْضَراً… ) .( [۱])
اختلف فی کیفیه وجود العمل محضراً. فقیل: تجد صحائف الحسنات والسیئات، عن أبی مسلم وغیره، وهو اختیار القاضی.
وقیل: ترى جزاء عملها من الثواب و العقاب، فأمّا أعمالهم فهی أعراض قد بطلت، ولا تجوز علیها الإعاده فیستحیل أن ترى محضره.( [۲])
یقول العلاّمه المجلسی(قدس سره) بعد نقل نظریه الشیخ البهائی المؤیده لفکره تجسّم الأعمال: القول باستحاله انقلاب الجوهر عرضاً، والعرض جوهراً فی تلک النشأه مع القول بإمکانها فی النشأه الآخره قریب من السفسطه، إذ النشأه الآخره لیست إلاّ مثل تلک النشأه، وتخلّل الموت والإحیاء بینهما لا یصلح أن یصیر منشأ لأمثال ذلک.( [۳])
من هنا یظهر أنّ المخالفین للنظریه یتمسّکون بأمرین، هما:
۱٫ انّ الأعمال من مقوله العرض وهی تفنى بعد صدورها أو بعد الموت، فلم یبق شیء حتّى یتجسّم بشکل آخر فی عالم الآخره.
۲٫ انّ نظریه التجسّم معناها انقلاب العرض إلى الجوهر، وهو محال.
التحقیق فی الأمر
والحقّ انّ کلا الإشکالین غیر واردین على النظریه، وذلک لأنّ الإشکال الأوّل لا أساس له من الصحه، وهو باطل قطعاً، لأنّ البراهین العقلیه قائمه على أساس أنّ من طرأ علیه الوجود ولبس لباس الوجود لا یعدم أصلاً، وانّه یبقى فی المرحله والظرف الذی تحقّق فیه، وأنّ عدمه بعد انقضاء زمانه عدم نسبی لا عدم مطلق، فکلّ شیء موجود فی ظرفه لا یمکن أن یطرأ العدم علیه.
هذا هو الدلیل العقلی الحاسم، ویؤید ذلک قوله تعالى:
( …وَما یَعْزُبُ عَنْ رَبِّکَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّه فِی الأَرْضِ وَلا فِی السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِکَ وَلا أَکْبَرَ إِلاّفی کِتاب مُبین ) .( [۴])
ومن هنا نعلم أنّ الإشکال الأوّل القائل: إنّ أعمال الإنسان التی یقوم بها تنعدم ویستحیل إعاده المعدوم، لا أساس له من الصحه.
کذلک الکلام فی الإشکال الثانی ـ انقلاب العرض جوهراً ـ فإنّه غیر صحیح أیضاً، وذلک لأنّنا وإن کنّا نتبنّى نظریه المعاد الجسمانی ولکن لیس ذلک بمعنى سیاده القوانین الدنیویه جمیعها على النشأه الأُخرى، بل انّ الاختلاف بین النشأتین قد یورث الاختلاف بینهما فی بعض القوانین، یقول سبحانه:
( یَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَیْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا للّهِالواحِدِالْقَهّارِ ) .( [۵])
أضف إلى ذلک انّ هناک الکثیر من الآیات التی یستفاد منها انّ للنظام الأُخروی قوانینه الخاصه به.
نعم هنا بعض الأُصول العقلیه التی لا تختص بالعالم الدنیوی، بل تعمّ النشأتین من قبیل استحاله اجتماع النقیضین وارتفاعهما، واجتماع الضدین، ولکن ذلک لا یمنع من وجود سلسله من القوانین العقلیه غیر المحضه، أن تکون سائده وفقاً للنظام السائد فی الحیاه الدنیا ولکنّها تتغیّر وفقاً لعالم الآخره، من قبیل تبدّل العرض جوهراً، فإنّ کون العرض غیر قائم إلاّ بالموضوع فی هذه النشأه لا یکون دلیلاً على کونه کذلک فی النشأه الأُخرى، إذ من الممکن وبسبب تغایر النشأتین أن یکون العرض قائماً بنفسه فی النشأه الأُخرى متبدّلاً، متجلّیاً بصوره النار والأغلال والسلاسل أو یکون العمل الصالح کالصلاه والصوم قائماً بنفسه فی النشأه الأُخرى متجلّیاً بصوره الحور والجنان والعیون.
وما ذکرناه لا یختصّ بمسأله تجسّم الأعمال، بل یجری فی الصراط والمیزان والأعراف، وما شاکلها، فلا ینبغی فی تفسیرها قیاسها على قوانین النظام الدنیوی.
وبعباره مختصره: انّه لا منافاه بین العقل وبین نظریه تجسّم الأعمال، ومن هنا نرى من المناسب أن نذکر کلمات بعض الأعلام فی هذا الصدد:
۱٫ یقول صدر المتألّهین: کما أنّ کلّ صفه تغلب على باطن الإنسان فی الدنیا وتستولی على نفسه بحیث تصیر ملکه لها، یوجب صدور أفعال منه مناسبه لها بسهوله یصعب علیه صدور أفعال أضدادها غایه الصعوبه، وربّما بلغ ضرب من القسم الأوّل حدّ اللزوم، وضرب من القسم الثانی حدّ الامتناع، لأجل رسوخ تلک الصفه، لکن لمّا کان هذا العالم دار الاکتساب والتحصیل قلّما تصل الأفعال المنسوبه إلى الإنسان الموسومه بکونها بالاختیار فی شیء من طرفیها حدّ اللزوم والامتناع بالقیاس إلى قدره الإنسان وإرادته دون الدواعی والصوارف الخارجیه لکون النفس متعلّقه بماده بدنیه قابله للانفعالات والانقلابات من حاله إلى حاله، فالشقی ربّما یصیر بالاکتساب سعیداً وبالعکس، بخلاف الآخره فانّها لیست دار الاکتساب والتحصیل، کما أُشیر إلیه بقوله تعالى: ( …یَوْمَ لا یَنْفَعُ نَفْساً إِیمانُها لَمْ تَکُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ کَسَبَتْ فِی إِیمانِها خَیْراً… )( [۶]) ، وکلّ صفه بقیت فی النفس ورسخت فیها وانتقلت معها إلى الدار الآخره صارت کأنّها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشئه منها بصوره تناسبها فی عالم الآخره والأفعال والآثار التی کانت تلک الصفات مصادر لها فی الدنیا،وربّما تخلّفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانیه الاتّفاقیه، لأنّ الدنیا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخره لکونها دار الجمع والاتّفاق لا تزاحم ولا تضاد فیها، والأسباب هناک أسباب وعلل ذاتیه کالفواعل والغایات الذاتیه دون العرضیه، فکلّما یصلح أثر الصفه النفسانیه لم یتخلّف عنها هناک کما یتخلّف عنها هاهنا لمصادفه مانع له ومعاوقه صارف عنه، إذ لا سلطنه هناک للعلل العرضیه والأسباب الاتّفاقیه ومبادئ الشرور، بل الملک للّه الواحد القهّار.( [۷])
۲٫ وأمّا العارف الإسلامی الکبیر الشیخ البهائی فقد قال فی هذا الصدد: لقد جاءت مسأله نظریه تجسّم الأعمال فی الکثیر من الروایات الخاصّه والعامّه، وبعد أن نقل روایه «قیس بن عاصم» قال:
إنّ الحیّات والعقارب، بل والنیران التی تظهر فی القبر والقیامه، هی بعینها الأعمال القبیحه والأخلاق الذمیمه والعقائد الباطله التی ظهرت فی هذه النشأه بهذه الصوره وتجلببت بهذه الجلابیب، کما أنّ الروح والریحان والحور والثمار هی الأخلاق الزکیه والأعمال الصالحه والاعتقادات الحقّه التی برزت فی هذا العالم بهذا الزی وتسمّت بهذا الاسم، إذ الحقیقه الواحده تختلف صورها باختلاف الأماکن، فتحلّى فی کلّ موطن بحلیه، وتزیّى فی کلّ نشأه بزیّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل فی قوله تعالى: ( یَسْتَعْجِلُونَکَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحیطَهٌ بِالْکافِرینَ )( [۸]) لیس بمعنى الاستقبال بأن یکون المراد أنّها ستحیط بهم فی النشأه الأُخرى.( [۹])
ثمّ إنّ صدر المتألّهین ضرب مثالاً لتقریب الموضوع، یقول: إنّ الجسم الرطب متى فعل ما فی طبعه من الرطوبه فی جسم الآخر قبل الجسم المنفعل الرطوبه فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبه فی قابل غیر جسم کالقوه الدراکه الحسیه والخیالیه إذا انفعلت عن رطوبه ذلک الجسم الرطب، لم یقبل الأثر الذی قبله الجسم الثانی ولم یصر بسببه رطباً بل یقبل شیئاً آخر من ماهیه الرطوبه لها طور خاص فی ذلک کما یقبل القوه الناطقه متى نالت الرطوبه أو حضرتها فی ذاتها شیئاً آخر من ماهیه الرطوبه وطبیعتها من حیث هی ولها ظهور آخر عقلی فیه بنحو وجود عقلی مع هویه عقلیه، فانظر حکم تفاوت النش آت فی ماهیه واحده لصفه واحده، کیف فعلت وأثرت فی موضع الجسم شیء وفی قوه أُخرى شیئاً آخر، وفی جوهر شیئاً آخر، وکلّ من هذه الثلاثه حکایه للآخرین، لأنّ الماهیه واحده والوجودات متخالفه، وهذا القدر یکفی المستبصر لأن یؤمن بجمیع ما وعد اللّه ورسوله أو توعّد علیه فی لسان الشرع من الصور الأُخرویه المرتبه على الاعتقادات الحقّه أو الباطله أو الأخلاق الحسنه والقبیحه المستتبعه للّذات والآلام إن لم یکن من أهل المکاشفه والمشاهده.( [۱۰])
تجسّم الأعمال من منظار العلم
بالرغم من أنّ الأدلّه النقلیه والبراهین العقلیه تدعم نظریه تجسّم الأعمال، مع ذلک کلّه یمکن الاستفاده من العلوم التجریبیه لتقریب تلک النظریه العقلیه الدقیقه إلى الذهن البشری، وتوضیح ذلک: إنّ الماده والطاقه مظهران لحقیقه واحده، الماده عباره عن الطاقات المتراکمه، وربّما تتبدّل الماده فی ظروف خاصه إلى الطاقه، فتکون الطاقه وجوداً منبسطاً للماده، کتبدّل ماده الغذاء الذی یتناوله الإنسان إلى حرکه، وکتبدّل وقود الحافلات إلى طاقه حرکیه.إنّ مفهوم حفظ الطاقه أحد المفاهیم الأساسیه الذی یکون حاکماً على کافه الظواهر الطبیعیه بمعنى أنّ کافه التفاعلات والتحوّلات التی تحدث فی عالم الطبیعه لا تخرج عن هذا الإطار العام، وهو أنّ عموم الطاقه لا یتغیر فیها أبداً.
فالطاقه یمکن أن تتبدّل إلى أنواع مختلفه وهذه الأنواع تشمل الطاقه الحرکیه، الحراریه، الکهربائیه، الکیمیائیه، والنوویه.( [۱۱])
حقیقه العمل فی الإنسان
إنّ الإجابه عن التساؤل عن حقیقه عمل الإنسان الذی هو جزء من عالم الماده، هی: أنّ الإنسان حینما یقوم بعمل ما ـ صالحاً کان أم طالحاً ـ فإنّ بعض ذخائره المادیه تتحوّل إلى طاقه، فإذا صلّى مثلاً، فإنّه فی الواقع فی جمیع حالات ولحظات الصلاه، یحوّل قسماً من مادته إلى طاقه، وهکذا إذا ارتکب عملاً سیئاً، کما إذا قام بضرب إنسان بریء فإنّه کذلک یصرف مقداراً من الماده ویحوّله إلى طاقه، وهکذا الکلام فی سائر الأفعال التی یقوم بها، سواء کانت تلک الأفعال عضویهً أو کان العمل فکریاً أو نفسیاً فتعود حقیقه العمل فی الإنسان إلى تبدّل الماده إلى طاقه.
إذا عرفنا ذلک فنقول: إنّ تجسّم الأعمال یبتنی على القواعد التالیه:
۱٫ حقیقه العمل هو تبدیل الماده إلى طاقه.
۲٫ الطاقه الموجوده فی العالم ثابته لا تتغیّر.
۳٫ الماده والطاقه حقیقتهما واحده.
۴٫ کما أنّ الماده تتبدّل إلى طاقه، فهکذا تتبدّل الطاقه فی ظروف خاصه إلى الماده.
والنتیجه الطبیعیه والمنطقیه لتلک المقدّمات المذکوره انّ تبدّل أعمال الإنسان وأفعاله (والتی تحوّلت إلى طاقه) تحت شروط خاصه فی عالم الآخره أمرٌ ممکن، کما أنّ ذلک ممکن فی هذا العالم، بل یُعدّ من منظار العلم من حقائق عالم الطبیعه.
وعلى هذا الأساس فإنّ مسأله «تجسّم الأعمال» من المعارف الدقیقه والعمیقه والتی لا یتسنّى لکلّ أحد إدراکها، ولکن هناک بعض المفکّرین الکبار ومن خلال التأمّل فی حالات النفس الإنسانیه والاعتماد على الأُصول الفلسفیه المسلّمه، والتأمّل فی آیات الذکر الحکیم، قد اهتدوا إلى إدراک تلک النظریه الدقیقه، کالفیلسوف الإسلامی الکبیر صدر المتألّهین، ومن حسن الحظ أنّ العلم قد دعم هذه النظریه وساعد على إدراکها وهضمها.
ومن الجدیر بالذکر أنّ المسائل التی تتعلّق بعالم الآخره هی من الحقائق الغیبیه التی لا یتسنّى للإنسان المحصور فی إطار الماده والمادیات إدراکها وفهمها، إلاّ إذا ارتبط ارتباطاً وثیقاً بعالم الغیب وشاهد حقائق ذلک العالم عن قرب، وفی الحقیقه انّ الذین یصلون إلى هذا المقام السامی لا یتجاوزون العدد الیسیر جداً.( [۱۲])
[۱] . آل عمران: ۳۰٫
[۲] . مجمع البیان:۱/۴۳۱، ط صیدا.
[۳] . بحار الأنوار:۷/ ۲۲۹٫
[۴] . یونس:۶۱، سبأ: ۳٫
[۵] . إبراهیم: ۴۸٫
[۶] . الأنعام: ۱۵۸٫
[۷] . المبدأ والمعاد:۳۴۱ـ ۳۴۲٫
[۸] . العنکبوت: ۵۴٫
[۹] . البحار:۷/ ۲۲۸٫
[۱۰] . المبدأ والمعاد:۳۴۱ـ ۳۴۲٫
[۱۱] . دائره المعارف البریطانیه:۶/ ۸۹۴٫
[۱۲] . منشور جاوید:۹/۴۲۲ـ ۴۴۶٫