الإمامه بید الله سبحانه و تعالى

0

بسم الله الرحمن الرحیم
تمهید :
الحمد لله رب العالمین ، والصلاه والسلام على سیدنا محمد وآله الطیبین الطاهرین ، ولعنه الله على أعدائهم أجمعین من الأولین والآخرین .
تبین إلى الآن أن الإمامه نیابه عن النبوه ، والإمام نائب عن النبی ( صلى الله علیه وآله وسلم ) ، وکما أن النبوه والرساله تثبت للنبی والرسول من قبل الله سبحانه وتعالى ، کذلک الإمامه ، فإنها خلافه ونیابه عن النبوه والرساله ، فنحن إذن بحاجه
إلى جعل إلهی ، إلى تعریف من الله سبحانه وتعالى ، إلى تعیین من قبله بالنص ، لیکون الشخص نبیا ورسولا ، أو لیکون إماما بعد الرسول ، والنص إما من الکتاب وإما من السنه القطعیه ، ولو رجعنا إلى العقل ، فالعقل یعطینا الملاک ، ویقبح
تقدیم المفضول على الفاضل ، وعن هذا الطریق أیضا یستدل للإمامه والولایه والخلافه بعد رسول الله ( صلى الله علیه وآله وسلم ) . وثبت إلى الآن أن لا طریق لتعیین الإمام إلا النص ، وأن بیعه
– الشورى فی الإمامه – السید علی المیلانی ص ۸
شخص أو شخصین أو أشخاص وأمثال ذلک ، هذه البیعه لا تثبت الإمامه للمبایع له ، وعن طریق النص والأفضلیه أثبتنا إمامه أمیر المؤمنین والأئمه الأطهار أیضا من بعده .
وتبقى نظریه ربما تطرح فی بعض الکتب وفی بعض الأوساط العلمیه والفکریه ، وهی نظریه الشورى ، بأن تثبت الإمامه لشخص عن طریق الشورى .
وموضوع الشورى موضوع بحثنا فی هذه اللیله ، لنرى ما إذا کان لهذه النظریه مستند ودلیل من الکتاب والسنه وسیره رسول الله ، أو أنها نظریه لا سند لها من ذلک . وبحثنا موضوعه الشورى فی الإمامه أو الإمامه فی الشورى .
وأما الشورى والمشوره والتشاور فی الأمور ، وفی القضایا الخاصه أو العامه ، والأمور الاجتماعیه ، وفی حل المشاکل ، فذلک أمر مستحسن مندوب شرعا وعقلا وعقلاءا ، لأن من شاور الناس فقد شارکهم فی عقولهم ، والإنسان إذا احتاج إلى
رأی أحد احتاج إلى مشوره من عاقل ، ففی القضایا الشخصیه لا بد وأن یبادر ویشاور ، وهذه سیره جمیع العقلاء ، وکلامنا فی الشورى فی الإمامه ، أو فقل الإمامه فی الشورى
– الشورى فی الإمامه – السید علی المیلانی ص ۱۲
إلى الله عز وجل ، وعرض علیهم نفسه ، فقال له رجل منهم ویقال له بحیره بن فراس قال : والله لو أنی أخذت هذا الفتى من قریش لأکلت به العرب ، ثم قال : أرأیت إن نحن بایعناک على أمرک ، ثم أظهرک الله على من خالفک أیکون لنا الأمر من
بعدک ؟ قال : الأمر إلى الله یضعه حیث یشاء ، فقال له : أفتهدف نحورنا للعرب دونک ، فإذا أظهرک الله کان الأمر لغیرنا ! لا حاجه لنا بأمرک ، فأبوا علیه ( ۱ ) .

وفی السیره الحلبیه : وعرض على بنی حنیفه وبنی عامر بن صعصعه فقال له رجل منهم : أرأیت إن نحن بایعناک على أمرک ثم أظفرک الله على من خالفک أیکون لنا الأمر من بعدک ؟ فقال : الأمر إلى الله یضعه حیث شاء ، فقال له : أنقاتل العرب دونک ،

وفی روایه : أفتهدف نحورنا للعرب دونک ، أی نجعل نحورنا هدفا لنبالهم ، فإذا أظهرک الله کان الأمر لغیرنا ، لا حاجه لنا بأمرک وأبوا علیه ( ۲ ) . هذا ، والرسول – کما أشرت – فی أصعب الأحوال وأشد الظروف ، وکل العرب وعلى رأسهم قریش یحاربونه ویؤذونه بشتى أنواع الأذى ، یقول : الأمر إلى الله یضعه حیث یشاء ، وهذا

___________________________
( ۱ ) سیره ابن هشام ۱ / ۴۲۴ . ( ۲ ) السیره الحلبیه ۲ / ۱۵۴ . ( * )
 
– الشورى فی الإمامه – السید علی المیلانی ص ۱۳
معنى قوله تعالى : ( الله أعلم حیث یجعل رسالته ) ( ۱ ) .
ولو راجعتم الآیات الکریمه الوارده فی نصب الأنبیاء ، غالبا ما تکون بعنوان الجعل وما یشابه هذه الکلمه ،
لاحظوا قوله تعالى : ( إنی جاعلک للناس إماما ) ( ۲ ) هذا فی خطاب لإبراهیم ( علیه السلام ) ،
وفی خطاب لداود : ( إنا جعلناک خلیفه فی الأرض فاحکم بین الناس ) ( ۳ ) .

ومن هذه الآیه یستفاد أن الحکم بین الناس حکم من أحکام النبوه والرساله ( إنا جعلناک خلیفه فی الأرض فاحکم ) الحکم من أحکام الخلافه ، ولیست الخلافه هی الحکومه ، وقد أشرت إلى هذا من قبل فی بعض البحوث ، الخلافه لیست الحکومه ،
وإنما الحکومه شأن من شؤون الخلیفه ، تثبت الخلافه لشخص ولا یتمکن من الحکومه على الناس ولا یکون مبسوط الید ولا یکون نافذ الکلمه ، إلا أن خلافته محفوظه . وإذا کانت الآیات داله على أن النبوه والإمامه إنما تکون بجعل من الله سبحانه وتعالى ، فهناک بعض الآیات تنفی أن تکون النبوه

____________________________
( ۱ ) سوره الأنعام : ۱۲۴ . ( ۲ ) سوره البقره : ۱۲۴ . ( ۳ ) سوره ص : ۲۶ . ( * )
 
– الشورى فی الإمامه – السید علی المیلانی ص ۱۴
والإمامه بید الناس کقوله تعالى : ( وربک یخلق ما یشاء ویختار ما کان لهم الخیره سبحان الله وتعالى عما یشرکون ) ( ۱ ) ، وذیل الآیه ربما یؤید هذا المعنى ، إن القول باشتراک الناس وبمساهمتهم وبدخلهم فی تعیین النبوه لأحد أو تعیین الإمامه
لشخص ، هذا نوع من الشرک ، وإلى الآن نرى أن النبی ( صلى الله علیه وآله وسلم ) یصرح بأن الأمر بید الله ، أی لیس بید النبی ، فضلا عن أن یکون بید أحد أو طائفه من الناس .

حتى إذا أمر بإنذار عشیرته بقوله تعالى : ( وأنذر عشیرتک الأقربین ) ( ۲ ) فجمع أقطابهم ، فهناک أبلغ الناس بأن الجعل بید الله ، وأخبرهم بالذی حصل الجعل له من الله من بعده ( ۳ ) .
وهکذا کان ( صلى الله علیه وآله وسلم ) ینص على علی ، وإلى آخر لحظه من حیاته المبارکه . ولم نجد ، لا فی الکتاب ولا فی سنه رسول الله دلیلا ولا تلمیحا وإشاره إلى کون الإمامه بید الناس ، بأن ینصبوا أحدا عن طریق الشورى مثلا ، أو عن طریق البیعه والاختیار ، ولا یوجد أی دلیل على ثبوت الإمامه بغیر النص .

_______________________
( ۱ ) سوره القصص : ۶۸ . ( ۲ ) سوره الشعراء : ۲۱۴ . ( ۳ ) تقدم الکلام على حدیث الدار . ( * )
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.