تملک منصب الخلافه

0

وهذه صفات لا تتوفر إلا فی نبی أو ولی ، ولا یعرفها إلا الله تعالى لذلک اختص جلت قدرته بتعیین الرؤساء أو الأئمه، بعد تأهیلهم وإعدادهم لهذه المهمه ، فالله تعالى هو الذی اختار نبیه ، وهو الذی اختار الإمام علیا وهو الذی اختار الأئمه الشرعیین الأحد عشر الذین سیتولون الرئاسه العامه بالتعاقب بعد موت الإمام علی ودور الرسول کان مقتصرا على اتباع ما یوحى إلیه من ربه ، فوجود الإمام المعصوم هو الضمانه الوحیده ضد الاستبداد وإساءه استعمال هذه الصلاحیات الهائله التی یتمتع بها الرئیس العام أو الخلیفه .
وکان ما کان من تجاهل ذلک النفر لکافه الترتیبات الإلهیه التی وضعها الله وأعلن نبیه ، ومن استیلائهم على منصب الرئاسه العامه أو الخلافه بالقوه والتغلب ، ومن إصرارهم على أنهم خلفاء " فعلیون " للنبی ومن حقهم أن یتمتعوا بکافه صلاحیات واختصاصات النبی ، مع أن شروط الرئاسه العامه لا تتوفر بهم ، ولیسوا مؤهلین لها ، ومؤهلهم الوحید هو الغلبه ! !
لما نجحوا بعزل الإمام الشرعی وأهل بیت النبوه والفئه القلیله المؤمنه ، وبإذلالهم ، وتجریدهم من حقوقهم المدنیه والسیاسیه والمالیه ، قبضوا على السلطه بید من حدید ، وأخذوا یتصرفون فیها تصرف المالک بملکه صارت الخلافه کأنها شاه أو بعیر أو ثوب للغالب ، فله الحق أن یقلدها لمن یشاء ، لقد عهد أبو بکر بالخلافه لعمر ، وقال لعثمان الذی کتب له عهده : " لو کتبت اسمک لکنت أهلا لها " ( 1 ) ! !
ولما طعن عمر وقعد علی فراش الموت جائته رساله من عائشه مفادها أن " استخلف علیهم ولا تدعهم بعدک هملا ، فتساءل عمر ومن تأمرنی أن استخلف ؟ " ( 2 ) ألا ترى أن صلاحیاته باختیار ولی عهده صلاحیات مطلقه ، وأنه یمکنه أن یتصرف بمنصب الخلافه تصرف المالک للشئ بملکه الخاص ، فلو أمرته أم المؤمنین أن یستخلف أی شخص لفعل لسبب ظاهری بسیط هو أنه وأم المؤمنین یکرهان أن تبقى أمه محمد هملا ، ورأفه بهذه الأمه ! ! ! ! ! ویتوجه عمر وهو على فراش الموت ، ویبحث عن صاحب الحظ السعید الذی سیقوم مقامه ، ویلتزم بسیاسه ذلک النفر ، فیقول : " لو کان أبو عبیده حیا لولیته واستخلفته ، ولو أدرکت معاذ بن جبل لولیته واستخلفته ، ولو أدرکت خالد بن ولید لولیته واستخلفته ، ولو رأیت سالم مولى أبی حذیفه لولیته واستخلفته " ( 3 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) راجع تاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۲۹ ، وسیره عمر لابن الجوزی ص ۳۷ ، وتاریخ ابن خلدون ج ۲ ص ۸۵ .
( ۲ ) الإمامه والسیاسه لابن قطیبه ج ۱ ص ۲۳ .
( ۳ ) راجع مرض عمر وموته فی تاریخ الطبری ، وطبقات ابن سعد ص ۱۵ وما فوق من الإمامه والسیاسه لابن قطیبه . ( * )
یمکنه أن یعطی الخلافه لمهاجر کأبی عبیده ، أو لواحد من الطبقه الحادیه عشر من طبقات الصحابه ، کخالد بن الولید ، أو لا حد الموالی کسالم مولى أبی حذیفه الذی لا یعرف له نسب فی العرب ! !
ویجدر بالذکر أن عمر نفسه کان یرى فی سقیفه بنی ساعده أن الخلافه لا تجوز للأنصار بل هی حق خالص لأهل محمد وعشیرته " یعنی نفسه وأبا بکر " فکیف جوزها فی ما بعد للأنصار وحتى للموالی ، وأبعد من ذلک فإن عمر بن الخطاب قد أشار إلى معاویه کخلیفه مرتقب فی حال اختلاف السته ( ۱ )
ومعاویه طلیق ومن المؤلفه قلوبهم وهو عدو الله ورسوله ، وابن عدوهما ، ومع هذا قال عمر للسته إن اختلفتم دخل علیکم معاویه من الشام ! ! !
واختیار للسته دیکور ، لقد عهد عملیا بالخلافه لعثمان ، فلو دققنا فی کل المصادر التی روت عهد عمر نجد أنه بالمآل سیکون الخلیفه عثمان حسب وصیه عمر ، فعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد فی شقه وعلی وزبیر فی شقه أخرى ، وطلحه غائب ، لقد أوصى عمر " إذا کانوا ثلاثه ثلاثه وهذا لن یحدث لأن طلحه غائب فاختار الذی فی صف عبد الرحمن بن عوف ، ولنفترض أن طلحه قد جاء وشکل مع علی والزبیر ثلاثه ، فإن الخلیفه سیکون عثمان ، والقصد من إشراک الآخرین مع أهل الشورى هو أن یکثر عمر منافسی الإمام علی على الخلافه فبعد موت عثمان سیدعی الأربعه أنهم أولى بالخلافه من علی أو فرصهم فیها کفرصه علی ! ! ! وفی حاله موت السته سیتصدى أولاد الخمس لابن علی وینافسونه على منصب الخلافه إنه تجذیر لمعارضه المسلمین لأهل بیت النبوه ، وعوائق بین أهل بیت النبوه وبین حقهم بالرئاسه العامه ! ! ، ولکن بجبه إسلامیه ! ! ! .
ثم إن عثمان کان أول زعیم من زعماء المهاجرین قد بایع الخلیفه الأول وکان یدعى فی إماره عمر بالردیف والعرب تقول ذلک للرجل الذی یرجونه بعد زعیمهم ( ۲ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۵ ص ۵۳۵ .
( ۲ ) نظام الحکم للقاسمی ص ۱۹۷ و ۱۹۸  . ( * )
 

وما یعنینا فی هذا المقام أن ذلک النفر کان یتصرف بمنصب الخلافه، وبکافه المناصب المتفرقه عنها تصرف المالک بملکه ، فالخلیفه یولی منصب الخلافه لمن یشاء ، ویحرم منه من یشاء ، حتى قال ابن خلدون : " إن الخلیفه ینظر للناس حال حیاته ، وتبع ذلک أن ینظر لهم بعد وفاته فیقیم لهم من یتولى أمورهم بعد وفاته " ( 1 )

فابن خلدون یصور هذه الحریه المطلقه بالتصرف بمنصب الخلافه کأنها حق مطلق للخلیفه الغالب القائم ! ! فمنصب الخلافه وکافه المناصب المتفرعه عنها أمتعه أو ممتلکات خاصه بتصرف بها الخلیفه على الوجه الذی یرید ! ! ولکن ابن خلدون وأمثاله لا یعطون هذا الحق لرسول الله ! ! فالخلفاء أصروا على التصرف بمنصب الخلافه وکافه المناصب المتفرعه عنها ، دفعا للفتنه ، وحتى لا تترک الأمه من بعدهم هملا ولا راعی لها على حد تعبیر السیده عائشه ( ۲ ) وتجنبا للتفریط وضیاع الأمانه على حد تعبیر عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وتلک أمور لحظها الخلفاء ، وهم یقولون ضمنا بأن الرسول لم یلحظها ! ! ! .
هذا على مستوى منصب الخلافه ، أما على مستوى المناصب المتفرعه عن منصب الخلافه کالإمارات والولایات ، وقیادات الجیش والأعمال ، وکبار الوظائف فقد کانت مملوکه للخلیفه أیضا یتصرف بها تصرف المالک بملکه ، فیحرم منها عباد الله المخلصین کسعد بن عباده وعمار بن یاسر وأبی ذر والمقداد والحباب بن المنذر وغیرهم یحرمها علیهم حرمه دائمه ، ویعطیها لأعداء الله السابقین الذین لعنهم الله على لسان رسوله ، وحذر منهم رسول الله کمعاویه والحکم بن العاص ومروان بن الحکم وعبد الله بن أبی سرح وأمثالهم والأعور السلمی الذی شهد حنینا مشرکا وقد لعنه رسول الله ، ومؤهله الوحید أنه کان من أشد المبغضین للإمام علی ، لقد استعان به عمر وجعله على مقدمه جیش ( ۳ ) واستعان أیضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مقدمه ابن خلدون ص ۱۲۷ .
( ۲ ) الإمامه والسیاسه ج ۱ ص ۲۳ ، وأعلام النساء ج ۳ ص ۷۸۶ .
( ۳ ) الإصابه لابن حجر ج ۲ ص ۵۴۱  . ( * )
بیعلى بن منبه وولاه على بعض بلاد الیمن، ومؤهله أنه کان من الحاقدین على علی بن أبی طالب (۱)
واستعان ببشر بن أرطأه وإیاس بن صبیح وهما من أصحاب مسیلمه النبی الکذاب ومع هذا فقد ولاه عمر القضاء على البصره ( ۲ )
واستعان عمر أیضا بطلیحه بن خویلد الذی ادعى النبوه بعد وفاه النبی فأعجب به عمر وکتب إلى أمرائه أن یشاوروا طلیحه ( ۳ )
واستعان بمعاویه بن أبی سفیان وأمه آکله الأکباد ، وأبوه رأس الأحزاب ، وقد قاد هو وأبوه وأخوته جبهه الشرک أثناء حربها لرسول الله ، وألب هو وأبوه وأخوته العرب على رسول الله وجندهم ضده ، وحاربوا الله ورسوله بکل وسائل الحرب ، حتى أحیط بهم فاضطروا للاستسلام والتلفظ بکلمه الإسلام ، ومع هذا ولى عمر أخاه یزید على الشام ولما مات یزید ورثه بالولایه أخوه معاویه وأطلق عمر یده فی بلاد الشام یتصرف تصرف المالک بملکه حیث قال له : " لا آمرک ولا أنهاک " ( 4 )
وکان عمر یمدح معاویه ویوطد له ویقول عنه : " إنه فتى قریش وابن سیدها " ( 5 )
وکان یعلم أن معاویه یعد العده للاستیلاء على منصب الخلافه ومع هذا ترکه یکمل استعداده قال عمر لأهل الشورى : " إن اختلفتم دخل علیکم معاویه من الشام " ( 6 )
وکان یعلم أن معاویه یستعد لحرب داخلیه ومع هذا ترکه وشجعه بقوله : " یا أهل الشام استعدوا لأهل العراق " فلیس لدى المالک للخلافه ، وللمناصب المتفرعه منها ما یمنع من أن یقدم المتأخرین فیسلمهم ممتلکاته ، أو أن یأخر المتقدمین فیحرمهم من هذه الممتلکات ، فهذا حر بما یملک .
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( ۱ ) الاستیعاب ج ۳ ص ۶۶۲ – ۶۶۳ .
( ۲ ) الاستیعاب ج ۱ ص ۱۲۰
( ۳ ) البدایه والنهایه ج ۷ ص ۱۳۰ .
( ۴ ) البدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۲۵ ، وتاریخ الطبری ج ۶ ص ۱۸۴ .
( ۵ ) البدایه والنهایه ج ۸ ص ۱۲۵ ، والاستیعاب ج ۸ ص ۳۹۷ .
( ۶ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۵ ص ۵۳۵ .
( ۷ ) الدلائل لابن سعد ، وکنز العمال ج ۱۲ ص ۳۵۴  . ( * )
والخلاصه أن ذلک النفر قد حول منصب الخلافه إلى ملک خاص له وعبأ کافه المناصب المتفرعه عن منصب الخلافه بالعناصر المؤیده له ولسیاسته والکارهه لآل محمد وللقله المؤمنه ، ونتیجه ذلک صارت السلطه کلها ملکا شخصیا خالصا لهذا النفر وأعوانه ، وسیفا مسلطا على أعدائهم ! ! .

Leave A Reply

Your email address will not be published.