رساله الإمام الکاظم(ع) فی العقل
بالعقل السلیم یستدل على غیره ولا یستدل بغیره علیه. ولأهل البیت کلام کثیر بهذا الموضوع ذکره الکلینی فی أول أصول الکافی منه: (إن الله جعل العقل دلیلاً على معرفته.. ومن کان عاقلاً کان له دین… أعلم الناس بأمر الله أحسنهم عقلاً… العقل دلیل المؤمن).
وجاء فی نهج البلاغه لأمیر المؤمنین: (أغنى الغنى العقل).
معنى هذا أن العقل هو المبدأ الأول لکل حجه ودلیل، والیه تنتهی طرق العلم والمعرفه بکل شیء وکل حکم.
والعقل هو القوه المبدعه التی منحها الله عزّ وجلّ إلى الإنسان ومیّزه به على الحیوان الأبکم، وشرّفه على بقیه الموجودات، واستطاع به أن یستخدم الکائنات، ویکشف أسرارها، وبالعقل جعله خلیفه فی الأرض، ینظّم الحیاه علیها ویعمرها.
وقد انتهى الإنسان بفضل عقله إلى غزو الفضاء والکواکب، وانطلق انطلاقه رائعه إلى اکتشافات مذهله، وسیصل فی مستقبله القریب أو البعید إلى ما هو أعمق وأشمل من ذلک.
إن کل حکم سواء أکان مصدره الوحی أم الحس والتجربه دلیله العقل حیث لا وزن للسمع والبصر بلا عقل، ولا سبیل إلى العلم بمصدر الوحی إلا العقل ودلالته. وبصوره أوضح نحن نأخذ بحکم الوحی والشرع بأمر من العقل. أما حکم العقل فنأخذه ونعمل به، وإن لم ینص علیه الوحی والشرع، والخلاصه أن أبعد الناس عن الدین من یظن أن الدین بعید عن العقل. وإن ما یقصد إلیه هو العقل السلیم.
معنى العقل السلیم
العاقل فی اصطلاح القرآن الکریم وعند الناس هو الذی یضع الشیء فی مکانه ویملک إراده قویه فیحبس نفسه عما یشین بها ولا یستجیب لهواها إن یکُ مخالفاً للعقل وحکمه.
قال تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِیهِنَّ…»(1) وقال عزّ وجلّ: «یَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاکَ خَلِیفَهً فِی الأَرْضِ فَاحْکُم بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَیُضِلَّکَ عَن سَبِیلِ اللَّهِ…» (2).
وقال سبحانه: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ کُونُواْ قَوَّامِینَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِکُمْ أَوِ الْوَالِدَیْنِ وَالأَقْرَبِینَ إِن یَکُنْ غَنِیًّا أَوْ فَقِیرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرًا» (3).
وقال سبحانه وتعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّهَ هِیَ الْمَأْوَى» (4).
یتضح من هذه الآیات الکریمات أن العاقل هو الذی ینقاد إلى حکم العقل، ویؤثره على هواه. وعلیه یکون المراد بالعقل السلیم: الإدراک النابع من العقل بالذات، العقل المستنیر بالمعرفه والحق والإیمان، ولیس من الجهل والتعصب والأهواء الشخصیه!!
وما نراه أن الرجل الواقعی الواعی لا یجزم بالفکره الخاطفه العابره، ولا ینطلق مع رغبته وإرادته قبل أن یتدبر ویتأمل، بل یتریّث ویملک نفسه ویبحث، حتى یهتدی إلى الرأی الناضج الأصیل. على العکس من الرجل العاطفی الذی یبتّ فی الأمور برغبته وهواه قبل أن یفکر ملیاً، وبتعبیر أدق: یصدّق قبل أن یتصوّر.
وسئل الإمام الصادق (علیه السلام) عن العقل فقال: (ما عبد به الرحمن، واکتسب به الجنان).
قیل له: فالذی کان فی معاویه؟
فقال: تلک الشیطنه وهی شبیهه بالعقل، ولیست بالعقل).
ویعنی بقوله (علیه السلام) أن العقل لا یقود إلى الحرام کما یفعل الشیطان. والله سبحانه وتعالى بشّر أهل العقل والفهم فی کتابه حیث قال: «وَالَّذِینَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن یَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِکَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ». (5).
هذه الآیه تعد من أوضح الآیات التی جاءت فی العقول السلیمه. والإمام (علیه السلام) استدل بهذه الآیه الکریمه على تقدیم أهل العقول السلیمه على غیرهم لأن الله قد بشّرهم بالهدایه والنجاح، وقد تضمنت الآیه التی استشهد بها (علیه السلام) جمله من الفوائد منها:
۱ـ وجوب الاستدلال:
إذا وقف الإنسان على جمله من الأمور فیها الصحیح والفاسد، وکان فی الصحیح هدایته وفی السقیم غوایته فإنّه یتحتم علیه أن یمیز بینهما لیعرف الصحیح منها فیتبعه، والسقیم فیبتعد عنه، ومن الطبیعی أن ذلک لا یحصل إلا بإقامه الدلیل والحجه، وبهذا یستدل على وجوب النظر والاستدلال فی مثل ذلک.
۲ـ حدوث الهدایه:
کما دلّت الآیه على الهدایه، فمن المعلوم أن کل عارض لابدّ له من موجد کما لابدّ له من قابل، أما الموجد للهدایه فهو الله تعالى ولذلک نسبها إلیه بقوله: «أُولَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمُ اللهُ»، وأما القابلون لها کلهم أهل العقول المستقیمه وإلى ذلک أشار بقوله سبحانه: «وَأُولَئِکَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ».
ومن المعلوم أن الإنسان یقبل الهدایه من جهه عقله لا من جهه جسمه وأعضائه، فلو لم یکن کامل العقل لامتنع علیه حصول المعرفه والفهم کما هو ظاهر.
إنّ من غرر أحادیث الإمام موسى بن جعفر(علیه السلام) فی مجال العقل کمصدر معرفی أساس هو وصیّته الثمینه لهشام بن الحکم والتی سُمّیت برساله العقل عند الإمام (علیه السلام)، وإلیک نصّ الرساله: إن الله تبارک وتعالى بشّر أهل العقل والفهم فی کتابه العزیز فقال سبحانه: «فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِکَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ» (6).
استدل (علیه السلام) بهذه الآیه لترغیب الناس على اتباع القول الحسن، وهذه الفئه من الناس یبشرهم الله انهم على هدایه منه وهم أصحاب العقول الراجحه، یمیزون بنور عقولهم بین الکلام الخبیث فیتجنبونه والکلام الحسن فیتبعونه.
ثم تابع (علیه السلام) القول لهشام: (یا هشام، قد وعظ أهل العقل ورغبهم فی الآخره).
فقال عزّ وجلّ: «وَمَا الْحَیَاهُ الدُّنْیَا إِلاَ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَهُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» (7).
وهنا أیضاً یرغّب الله تعالى عباده العقلاء فی دار الخلود والنعیم، ویذم دار الدنیا لأنّها محصوره على الأکثر فی اللهو واللعب، فالعقلاء یزهدون فیها، ویجتنبون شرّها وحرامها، ویعملون للدار الباقیه التی أعدت للمتقین، والعباد الصالحین.
یا هشام: ثم خوف الذین لا یعقلون عذابه فقال عزّ وجلّ: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الآَخَرِینَ، وَإِنَّکُمْ لَتَمُرُّونَ عَلیْهِمْ مُصْبِحِینَ، وَبِاللَّیلِ أَفلاَ تَعْقِلونَ» (8) استدل (علیه السلام) بهذه الآیه وما شابهها على تدمیره تعالى للذین لا یعقلون من الأمم السالفه التی کفرت بالله وقد نزلت فی قوم لوط حینما جحدوا الله وکفروا بآیاته، فأنزل تعالى بهم عقابه، وجعل موطنهم قبیح المنظر منتناً یمر بها المارون لیلاً نهاراً ساخرین من أهلها حیث جعلهم عبره للذین یعقلون، وقد حذّرهم من مخالفه المرسلین، الصالحین، فإن عاقبه المخالفه والعصیان الدمار والهلاک.
ثم بین أن العقل مع العلم فقال سبحانه: «وَتِلْکَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا یَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ» (9).
استدل (علیه السلام) بالآیه الکریمه على ملازمه العقل للعلم فإن العقل بجمیع مراتبه لا یفترق عن العلم فکلاهما صنوان متلازمان.
قال المفسرون عن سبب نزول هذه الآیه: إن الکافرین انتقدوا ضرب الأمثال بالحشرات والهوام کالذباب والبعوض والعنکبوت…
وفی نظرهم أن الأمثال یجب أن تضرب بغیر ذلک من الأمور الهامه وفی نظرنا أن منطقهم هذا هزیل للغایه لأن التشبیه إنما یکون بلیغاً فیما إذا کان مؤثراً فی النفس.
ثم ذم الذین لا یعقلون فی فصل آخر لأن معرفه حقیقه الاشیاء لا یمیزها إلا العالمون الذین حصل لهم العلم والمعرفه «وَمَا یَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ».
یا هشام: «وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَیْنَا عَلَیْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ کَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ یَعْقِلُونَ شَیْئًا وَلاَ یَهْتَدُونَ» (10).
وقال سبحانه: «وَمَثَلُ الَّذِینَ کَفَرُوا کَمَثَلِ الَّذِی یَنْعِقُ بِمَا لاَ یَسْمَعُ إِلاَ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُکْمٌ عُمْیٌ فَهُمْ لاَ یَعْقِلُونَ» (11).
ثم تابع فی سرد الآیات الشبیهه بهذه وکلها تذم الذین لا یعقلون (۱۲) استدل الإمام (علیه السلام) بهذه الآیات الکریمه على ذم من لا یعقل، ففی الآیه الأولى من هذا الفصل یقول الطبرسی: لقد اتبع القوم أسلافهم ومشایخهم فی الأمور الدینیه من غیر بصیره ولا دلیل، والذی حفزهم إلى اتباعهم الجهل والتعصب والغباوه وهذه الآیه حسب رأی المفسرین نزلت فی الیهود حینما دعاهم الرسول الأکرم إلى الإسلام فرفضوا ذلک، وقالوا بل نتبع ما وجدنا علیه آباءنا فانهم کانوا خیراً منا (۱۳). ولو کانت لهم عقول سلیمه، وأفکار ناضجه لفقهوا أن التقلید فی العقائد لا یقرّه العقل السلیم، لأن العقیده لا تؤخذ إلا من الدلیل العلمی الصحیح، وهی أساس ثابت لحیاه الإنسان وسلوکه. إذ ما من عاقل إلا وهو عرضه للخطأ فی فکره، ولا ثقه فی الدین إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فکیف یرغب العاقل عما أنزل الله فی اتباع الآباء مع دعواه الإیمان بالتنزیل؟؟!
والآیه الثانیه متممه للآیه الأولى: فإنّه تعالى لما وصف حاله الکفّار فی إصرارهم على التقلید الأعمى عند دعوتهم إلى الإسلام، ضرب لهم مثلاً للسامعین عن حالم بأنهم کالأنعام والبهائم التی لا تعی دعاء الداعی لها سوى سماع الصوت منه دون أن تفهم المعنى، فکذلک حال هؤلاء لا یتأملون دعه الحق ولا یعونها، فهم بمنزله الجاهلین لا یعقلون، وهذا أعظم قدح وذم للذین لا یعقلون. لأن الإنسان إذا اتهم بعقله فقد دنیاه وآخرته.
وفی الآیه الثالثه: وصف سبحانه منتهى القسوه وجمود الطبع وخمول الذهن لبعض الکفار فهم یستمعون ما یتلى علیهم من الآیات والأدله على صحه دعوه النبی (صلى الله علیه وآله) ولکنهم صم بکم لا یسمعون ولا یفقهون، وبذلک لا جدوى ولا فائده فی دعوتهم إلى اعتناق هذا الدین؛ لقد بلغوا الحد الأقصى فی أمراضهم العقلیه والنفسیه، ولا یجدی معهم أی نصح أو إرشاد أو علاج.
وسنکتفی بهذا القدر من الآیات التی استدل بها (علیه السلام) على ذم من لا یعقل من الناس. والآن إلى فصل آخر من کلامه، قال (علیه السلام): (یا هشام: لقد ذم الله الکثره فقال: «وَإِنْ تُطِعْ أَکْثَرَ مَنْ فِی الأرْضِ یُضِلُّوکَ عَنْ سَبِیلِ اللهِ إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلاَ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَ یَخْرُصُونَ» (14).
وقال سبحانه أیضاً: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَیَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَکْثَرُهُمْ لاَ یَعْلَمُونَ» (15).
استدل (علیه السلام) بهاتین الآیتین على ذم أکثر الناس لأنهم قد حجبوا عن نفوسهم الحق، وتوغلوا فی الباطل، وغرقوا فی الشهوات، إلا من رحمه الله منهم.
ففی الآیه الأولى: خاطب تعالى نبیه (صلى الله علیه وآله) وأراد به غیره، فإنه لو أطاع الجمهور من الناس وسار وفق أهواءهم ومیولهم لأضلوه عن دین الله وصرفوه عن الحق.
وفی الآیه الثانیه: دلت على أن أکثر الناس یقولون ما لا یعلمون، وأنهم لا یؤمنون بالله فی قلوبهم، بل إنما یجری على ألسنتهم دون أن ینفذ إلى أعماق قلوبهم (۱۶).
ثم مدح القلّه فقال: یا هشام: قال تعالى: «وَقَلِیلٌ مِنْ عِبَادِیَ الشَّکُورُ» (17).
وقال: «وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَ قَلِیلٌ» (18).
وقال: «وَلَکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لاَ یَعْلَمُونَ» (19).
وقال: «وَلَکِنَّ الَّذِینَ کَفَرُوا یَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْکَذِبَ وَأَکْثَرُهُمْ لاَ یَعْقِلُونَ» (20).
استدل (علیه السلام) من خلال هذه الآیات الکریمه على مدح قله المؤمنین، وندره وجودهم، کما صرحت الأحادیث النبویه والأخبار الوارده عن أهل البیت بذلک، فقد قال الإمام الصادق (علیه السلام): (المؤمنه أعز من المؤمن، والمؤمن أعز من الکبریت الأحمر فمن رأى منکم الکبریت الأحمر؟)
والسبب فی ندره هذه الفئه من المؤمنین الصالحین یعود إلى أن الإیمان الحقیقی بالله یعد من أعظم مراتب الکمال التی یصل إلیها الإنسان.
لکن الوصول إلى هذا الإیمان یصطدم بموانع کثیره تحول دون الوصول إلیه مثل: التربیه البیتیه السیئه حیث یعتاد الفرد على الغش والخداع والکذب منذ الطفوله الأولى.
إن التفاحه الفاسده تفسد التفاح السلیم، والرفیق المنحط أخلاقیاً وسلوکیاً یفسد غیره من الرفاق الصالحین، لأن الانزلاق نحو الرذائل أسهل من الصعود نحو الفضائل، والمثل العلیا وهناک حواجز کثیره تؤدّی إلى حجب الإنسان عن خالقه، وتمادیه فی الإثم والموبقات.
«وَقَلِیلٌ مِنْ عِبَادِیَ الشَّکُورُ» تعنی صرف العبد جمیع ما أنعم الله علیه فیما خلق لأجله. وهذه أعظم مرتبه لا تصدر إلا ممن عرف الله واعتقد بأن جمیع الخیرات والنعم صادره منه سبحانه وتعالى. فیعمل بکل طاقته على تحصیل الخیر وردع نفسه عن الحرام وحینئذ یکون من الشاکرین، والشکر لله بهذا المعنى من المقامات العالیه التی لا یتصف بها إلا القلیل من عباد الله.
وننتقل إلى فصل آخر من کلامه (علیه السلام) مخاطباً هشام.
یا هشام: ثم ذکر أولی الألباب بأحسن الذکر وأفضل الصفات فقال: «وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا یَذَّکَّرُ إِلاَ أُولُوا الألْبَابِ» (21).
وقال: «وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا یَذَّکَّرُ إِلاَ أُولُوا الألْبَابِ» (22).
وقال تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّیْلِ سَاجِداً وَقَائِماً یَحْذَرُ الآَخِرَهَ وَیَرْجُو رَحْمَهَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَالَّذِینَ لاَ یَعْلَمُونَ إِنَّمَا یَتَذَکَّرُ أُولُوا الألْبَابِ» (23).
استدل (علیه السلام) بهذه الآیات الکریمه على مدح العقلاء المتفوّقین على غیرهم، فقد مدحهم تبارک وتعالى بأحسن الصفات، وأضفى علیهم النعوت السامیه.
ففی الآیه الأولى: منح بعض عباده (الحکمه) وهی من أعظم المواهب، ومن أجل الصفات، فقد قیل فی تعریفها، إنها العلم الذی تعظم منفعته وتجل فائدته. ثم وصف تعالى من مُنِحَ بها بأنه أوتی خیراً کثیراً ولا یعلم معنى الحکمه ولا یفهم القرآن الکریم إلا أولوا الألباب.
وفی الآیه الثانیه: وصف تعالى عباده الکاملین فی عقولهم بثلاثه أوصاف:
۱ـ الرسوخ فی العلم.
۲ـ الإیمان بالله.
۳ـ العرفان بأن الکل من عند الله (۲۴).
ثم بین سبحانه: إن المتصفین بهذه النعوت العظیمه هم العقلاء الکاملون الذین هم ذووا الألباب.
وفی الآیه الثالثه: دلاله على التفاوت بین من یسهر لیله فی طاعه الله وبین غیره الذی یقضی أوقاته بالملاهی والملذّات، وهو معرض عن ذکر الله، فکیف یکونان متساویین. هذا غیر معقول!
وقال (علیه السلام): یا هشام، إن الله تعالى یقول فی کتابه العزیز: «إِنَّ فِی ذَلِکَ لَذِکْرَى لِمَنْ کَانَ لَهُ قَلْبٌ» (25) یعنی العقل.
وقال تعالى: «وَلَقَدْ آتَیْنَا لُقْمَانَ الْحِکْمَهَ» (26) یعنی الفهم والعقل، وضّح أن المراد بالقلب لیس العضو الخاص الموجود عند الإنسان وعند الحیوان، بل المراد منه هو العقل الذی یدرک المعانی الکلیه والجزئیه لیتوصل إلى معرفه حقائق الأشیاء وهو بذلک یمثل الکیان المعنوی للإنسان.
وفی الآیه الثانیه: یشیر (علیه السلام) إلى نعمه الله تعالى على لقمان، فقد منّ علیه بالحکمه، وهی من أفضل النعم وأجلها. ثم أخذ (علیه السلام) یتلو على هشام بعض حکم لقمان ونصائحه لولده فقال:
(یا هشام: إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تکن أعقل الناس.
یا بنی: إن الدنیا بحر عمیق قد غرق فیها عالم کثیر، فلتکن سفینتک فیها تقوى الله، وحشوها الإیمان، وشراعها التوکّل، وقیّمها العقل، ودلیلها العِلم، وسکّانها الصبر).
لقد رکز لقمان الحکیم فی وصیّته لولده بالتواضع للحق، فلا یرى الإنسان لنفسه وجوداً إلا بالحق ولا قوّه له ولا لغیره إلا بالله.
والتواضع من افضل الصفات. وقد ورد عن النبی (صلى الله علیه وآله) أنه قال: (من تکبر وضعه الله، ومن تواضع لله رفعه الله).
وورد عنه (صلى الله علیه وآله) فی تعدید أقوام ذمهم: (ورجل ینازع الله رداءَه، فإن رداءه الکبریاء وإزاره العظمه) (۲۷).
فالمراد بذلک أن الکبریاء والعظمه من صفات الله جلّ جلاله، لا یجوز لأحد من عباده أن یتصف بهما.
فالإنسان کلما تواضع کلما تجرد عن الأنانیه، ومحا عن نفسه التکبر، زاده الله شرفاً وفضلاً.
ثم شبه لقمان الحکیم الدنیا بالبحر ووجه الشبه فی ذلک: تغیر الدنیا وتغیر أشکالها وصورها فی کل لحظه، فالکائنات التی فیها کالأمواج فی البحر معرضه للزوال والفناء.
ویحتمل وجه آخر للشبه أن الدنیا کالبحر الذی یعبر علیه الناس، فالدنیا یعبر علیها الناس إلى دار الآخره وتکون النفوس فیها کالمسافرین، والأبدان کالسفن والبواخر تنقلهم من دار الدنیا إلى دار الخلود. وقد غرق کثیر من الناس فی هذه الدنیا، وسبب غرقهم یعود لتهالکهم على الشهوات.
ولما کانت الدنیا بحراً توجب الغرق والهلاک، فلا نجاه منها إلا بسبیل واحد: ألا وهو الصلاح والتقوى؛ ویکون شراعها التوکل على الله والاعتماد علیه فی جمیع الأمور. کما أنه لابدّ من عقل یکون قیّماً لتلک السفینه ورباناً لها، والعقل نور دلیله العلم والمعرفه فإن نسبته إلیه کنسبه الرؤیه من البصر؛ ومع هذه الخصال کلها لابدّ من الصبر فإن ارتقاء الإنسان وقربه من ربّه لا یحصل إلا بمجاهدات قویّه للنفس. وللنتقل إلى مشهد آخر من کلامه (علیه السلام):
یا هشام: ما بعث الله أنبیاءه رسوله إلى عباده إلا لیعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابه أحسنهم معرفه، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأکملهم عقلاً أرفعهم درجه فی الدنیا والآخره.
ینظر من کلامه (علیه السلام) التأکید على شرف الأنبیاء العظیم وفضلهم الکبیر بکمال عقولهم. ولا ریب أن وفور العقل من أفضل ما یمنح به الإنسان، إذ به یتوصّل إلى سعاده الدنیا، والفوز فی دار الآخره.
والعقل حسنه کبرى من حسنات الله تبارک وتعالى، ونعمه جُلّى لا تحصى فضائلها.
قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی بعض حکمه: (أغنى الغنى العقل).
ثم تابع (علیه السلام) قائلاً لهشام:
یا هشام: لو کان فی یدک جوزه وقال الناس فی یدک لؤلؤه ما کان ینفعک وأنت تعلم أنها جوزه، ولو کان فی یدک لؤلؤه، وقال الناس إنها جوزه ما ضرّک وأن تعلم أنها لؤلؤه.
کل ذلک یعود إلى قوه العقل وحسن التمییز، فالعاقل هو الذی یعتمد على نفسه ما دام متأکّداً ممّا هو علیه، ولا یعیر بالاً للآخرین من الناس الجاهلین الذین یقولون ما یحلو لهم دون رویّه أو تعقّل ما ینفع العقل إذا خدع الإنسان نفسه؟!
وقال (علیه السلام):
یا هشام: إن لله على الناس حجتین: حجه ظاهره، وحجه باطنه، فأما الظاهره فالرسل والأنبیاء والأئمه (علیه السلام). وأما الباطنه فالعقول. ثم تابع (علیه السلام):
یا هشام: إن العاقل الذی لا یشغل الحلال شکره، ولا یغلب الحرام صبره.
ذکر (علیه السلام) فی الفقرات الأخیره من کلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم کثره نعم الله علیهم من شکره تعالى، کما لا تزیل صبرهم النوائب والکوارث. ثم قال (علیه السلام):
یا هشام: من سلط ثلاثاً على ثلاث فکأنما أعلن هواه على هدم عقله: من أظلم نور فکره بطول أمله، ومحا طرائف حکمته بفضول کلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فکأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد علیه دینه ودنیاه.
ذکر (علیه السلام) فی کلامه هذا أن فی الإنسان قوتین متباینتین، وهما: العقل والهوى، ولکل واحده منهما صفات ثلاث تضاد الصفات الأخرى فصفات العقل: التفکر، والحکمه، والاعتبار.
وصفات الهوى: طول الأمل، وفضول الکلام، والإنغماس فی الشهوات. فطول الأمل فی الدنیا یمنع من التفکر فی أمور الآخره، ویبدد نور الفکر بالظلمه، ویحجبه عن الانطلاق فی میادین الخیر.
وفضول الکلام یمحی طرائف الحکمه من النفس.
أمّا الانغماس فی الشهوات فإنّه یعمی القلب، ویذهب بنور الإیمان، ویطفئ نور الاستبصار والاعتبار من النفس، فمن سلّط هذه الخصال العاطله على نفسه، فقد أعان على هدم عقله، ومن هدم عقله فقد أفسد دینه ودنیاه.
وقال (علیه السلام): (نُسِبَ الحق لطاعه الله، ولا نجاه إلا بالطاعه، والطاعه بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل یعتقد (۲۸)، ولا علم إلا من عالم ربانی، ومعرفه العلم بالعقل).
وهو یعنی (علیه السلام) أن المعارف جمیعها لا تحصل إلا بالعلم، والعلم لا یحصل إلا بالتعلم، والتعلّم لا یحصل إلا بالعقل. فمن عقل علم، ومن علم عاش سعیداً مأنوساً فی الدنیا، وغانماً کریماً فی الآخره.
وقال (علیه السلام): یا هشام قلیل العمل من العالم مقبول مضاعف، وکثیر العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
فهو یعنی (علیه السلام) أن قلیل العمل من العالم مقبول والسبب فی ذلک یعود: بأن العلم یطهّر النفوس، ویصفّی القلوب، ویوصل إلى معرفه الله عزّ وجلّ وفضیله کل عمل إنما هی بقدر تأثیرها فی صفاء القلب، وإزاله الحجب عن النفس، والظلمه عن الروح. وهی تختلف بحسب الأفراد، فربّ إنسان یکفیه قلیل العمل فی صفاء نفسه نظراً لِلَطَافَه طبعه، ورقه حجابه، ورب إنسان لا یؤثر العمل الطیّب الذی یصدر منه فی صفاء ذاته، نظراً لکثافه طبعه، وکثره الحجب على نفسه.
وقال (علیه السلام):
یا هشام: إن العقلاء زهدوا فی الدنیا ورغبوا فی الآخره، أنّهم علموا أن الدنیا طالبه مطلوبه، والآخره طالبه ومطلوبه.
فمن طلب الآخره طلبته الدنیا حتى یستوفی منها رزقه، ومن طلب الدنیا طلبته الآخره فیأتیه الموت فیفسد علیه دنیاه وآخرته.
ذلک أن الأعمار بید الله سبحانه، وساعه کل إنسان مجهوله، وقد تکون قریبه، فمن لم یحضر نفسه لها فقد یخسر ولا مجال عنده للتعویض. وقال (علیه السلام):
یا هشام: إن الله حکى عن قوم صالحین أنهم قالوا: «رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَیْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْکَ رَحْمَهً إِنَّکَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (29).
لقد قالوا هذا القول حین علموا أن القلوب تزیغ وتعود إلى عماها، وإنه لم یخف الله من لم یعقل عن الله، ومن لم یعقل عن الله لم یعقد قلبه على معرفه ثابته یبصرها ویجد حقیقتها فی قلبه، ولا یکون أحد کذلک إلا من کان قوله لفعله مصدّقاً، وسرّه لعلانیته موافقاً، لأن الله تبارک اسمه لم یدل على الباطن الخفی من العقل إلا بظاهر منه، وناطق علیه.
لقد أشار الإمام (علیه السلام) بکلامه هذا إلى أن المؤمن إذا لم یکن قلبه مستضیئاً بهدى الله، فإنّه لا یکون آمناً من الزیغ، کما لا یکون آمناً من الارتداد بعد الدخول فی حظیره الإسلام، والقرآن الکریم أشار إلى هذه الظاهره.
قال تعالى: «… رَضُوا بِأَنْ یَکُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ یَعْلَمونَ» (30).
ولذلک یدأب الصالحون بالسؤال من الله فی أن لا یزیغ قلوبهم حتى لا یضلوا عن دینه، لأنّ النفوس البشریه بحسب طبیعتها ونشأتها إذا لم یساعدها التوفیق لا تنجو من وساوس الشیطان وغوایته، وهنا یذکر (علیه السلام) هشاماً بقول لأمیر المؤمنین (علیه السلام):
یا هشام: کان أمیر المؤمنین (علیه السلام) یقول: (ما عُبد الله بشیء أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى یکون فیه خصال شتى: الکفر والشر منه مأمونان، والرشد والخیر منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مکفوف، ونصیبه من الدنیا القوت، لا یشبع من العلم دهره، الذل أحب إلیه مع الله من العز مع غیره، والتواضع أحب إلیه من الشرف، یستکثر قلیل المعروف من غیره، ویستقل کثیر المعروف من نفسه، ویرى الناس کلهم خیراً منه، وإنه شرهم فی نفسه، وهو تمام الأمر).
وهنا نراه یستدل بکلام جده (علیه السلام) الذی تعرض فیه لصفات العقلاء ثم تابع قائلاً (علیه السلام):
یا هشام: من صدق لسانه زکى عمله، ومن حسنت نیّته زید فی رزقه ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ فی عمره.
یا هشام: لا تمنحوا الجهال الحکمه فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها لتظلموهم.
فما أحرانا نحن الیوم لنأخذ بکل أقواله (علیه السلام) وبخاصه بهذه الحکمه بالذات حیث نرى الحکمه مظلومه وأهلها مظلومین؟!
یا هشام: لا دین لمن لا مروءه (۳۱) له، ولا مروءه لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدراً الذین لا یرى الدنیا لنفسه خطراً، أما أن أبدانکم لیس لها ثمن إلا الجنه، فلا تبیعوها بغیرها.
والمعنى: یجب أن تصرف الطاقات البشریه فی طاعه الله تعالى لیحصل الإنسان على الثمن هو الجنّه.
وقال (علیه السلام): أما إن أبدانکم لیس لها ثمن إلا الجنه فلا تبیعوها بغیرها ونقل صاحب الوافی عن أستاذه إیضاحاً لمقاله الإمام ما نصه:
إن الأبدان فی التناقص یوماً فیوماً وذلک لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فإن کانت النفس سعیده کانت غایه سعیه فی هذه الدنیا وانقطاع حیاته البدنیه إلى الله سبحانه وإلى نعیم الجنان، لکونه على منهج الهدایه والاستقامه، فکأنه باع بدنه بثمن الجنه معامله مع الله تعالى، ولهذا خلقه الله عزّ وجلّ.
وإن کانت شقیّه کانت غایه سعیه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنه الشیطان وعذاب النیران، لکونه على طریق الضلاله، فکأنّه باع بدنه بثمن الشهوات الفانیه، واللذات الحیوانیه التی ستصیر نیراناً محرقه، وهی الیوم کامنه مستوره عن حواس أهل الدنیا، وستبرز یوم القیامه «وَبُرِّزَتِ الْجَحِیمُ لِمَنْ یَرَى» معامله مع الشیطان «وَخَسِرَ هُنَالِکَ الْمُبْطِلُونَ».
وننتقل الآن إلى فصل آخر یتحدث فیه عن حزم العاقل واحتیاطه فی أقواله.
قال (علیه السلام): یا هشام إن أمیر المؤمنین (علیه السلام) کان یقول: (إن من علامه العاقل أن یکون فیه ثلاثه خصال: یجیب إذا سئل، وینطق إذا عجز القوم عن الکلام، ویشیر بالرأی الذی یکون فیه صلاح أهله، فمن لم یکن فیه من هذه الخصال الثلاث شیءٌ فهو أحمق).
وقال الحسن بن علی (علیهما السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها.
فقیل له: یا بن رسول الله ومن أهلها؟
الذین خصهم الله فی کتابه وذکـرهم، فقال: «أَفَمَنْ یَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَیْکَ مـِنْ رَبِّکَ الْحَقُّ کَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا یَتَذَکَّرُ أُولو الألْبابِ» (32) قال: أولوا العقول.
وقال علی زین العابدین (علیه السلام): مجالسه الصالحین داعیه إلى الصلاح، وآداب العلماء زیاده فی العقل، وطاعه ولاه العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروءه، وإرشاد المستشیر قضاء النعمه، وکف الأذى من کمال العقل، وفیه راحه البدن عاجلاً وآجلاً. ثم زاد (علیه السلام):
یا هشام: إن العاقل لا یحدّث من یخاف تکذیبه، ولا یسأل من یخاف منعه، ولا یَعِدُ ما لا یقدر علیه، ولا یرجو ما یعنف برجائه، ولا یقدم على ما یخاف فوته بالعجز عنه.
أراد بهذه الفقرات إلى حزم العاقل فی تحفظه على أقواله وشرفه ومنزلته وتوقفه من الإقدام على ما لا یثق بحصوله.
وقال (علیه السلام):
یا هشام: الحیاء من الإیمان، والإیمان فی الجنه، والبذاء من الجفاء، والجفاء فی النار.
ثم انتقل (علیه السلام) إلى فصل آخر یرکز فیه على اقتران القول بالعمل.
قال (علیه السلام): طوبى للعلماء بالفعل، وویل للعلماء بالقول. یا عبید السوء اتخذوا مساجد ربکم سجوناً لأجسادکم وجباهکم. واجعلوا قلوبکم بیوتاً للتقوى. ولا تجعلوا قلوبکم مأوى للشهوات، وإن أجزعکم عند البلاء لأشدکم حباً للدنیا، وإن أصبرکم على البلاء لأزهدکم فی الدنیا.
یا عبید السوء لا تکونوا شبیهاً بالحداء الخاطفه، ولا بالثعالب الخادعه ولا الذئاب الغادره ولا بالأسد العاتیه کما تفعل بالفراس. کذلک تفعلون بالناس، فریقاً تخطفون، وفریقاً تغدرون بهم.
وبحق أقول لکم: لا یغنی عن الجسد أن یکون ظاهره صحیحاً وباطنه فاسداً کذلک لا تغنی أجسادکم التی قد أعجبتکم وقد فسدت قلوبکم وما یغنی عنکم أن تنقوا جلودکم وقلوبکم دنسه.
لا تکونوا کالمنخل یخرج منه الدقیق الطیب ویمسک النخاله. کذلک أنتم تخرجون الحکمه من أفواهکم ویبقى الغل فی صدورکم.
یا عبید الدنیا إنما مثلکم مثل السراج یضیء للناس ویحرق نفسه.
یا بنی إسرائیل زاحموا العلماء فی مجالسهم ولو جُثواً على الرکب، فإن الله یحی القلوب المیته بنور الحکمه کما یحی الأرض المیته بوابل المطر (۳۳).
وهذه بعض الوصایا التی زادها الحسن بن علی الحرانی فقال: یا هشام أصلح یومک الذی هو أمامک، فانظر أی یوم هو، وأعد له الجواب، فإنک موقوف ومسؤول. وخذ موعظتک من الدهر وأهله، وانظر فی تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آتٍ من الدنیا کما ولّى منها، فاعتبر بها، وقال علی بن الحسین (علیه السلام): (إن جمیع ما طلعت علیه الشمس فی مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها، وسهلها وجبلها عند ولی من أولیاء الله وأهل المعرفه بحق الله کفئ الظلال).
ثم قال (علیه السلام): (حر یدع هذه اللماظه (الدنیا) لأهلها فلیس لأنفسکم ثمن إلا الجنه فلا تبیعوها بغیرها، فإنه من رضی من الله بالدنیا فقد رضی بالخسیس).
یا هشام: إن کل الناس یبصرون النجوم ولکن لا یهتدی بها إلا من یعرف مجاریها ومنازلها، وکذلک (انتم تدرسون) الحکمه، لا یهتدی بها منکم إلا من عمل بها.
وهنا کأنه (علیه السلام) یذکّر أهل العقول النیّره أن یقولوا ویدرسوا ویفهموا ثم علیهم أن یقرنوا العلم بالعمل.
أما الذین یرون ببصرهم ویقفلون بصیرتهم فهم ضالون فی حیاتهم وضالون فی آخرتهم، یخرصون ولا یعرفون، ویغدرون ولا یعرفون…
قال أحد الحکماء مرکزاً على المعرفه المقرونه بالعمل: عندما تقترن المعرفه بالعمل یرزقان صبیاً یسمیانه الصدق.
وعندما تقترن المعرفه بالعمل ینجبان بنتاً یسمیانها الوفاء. ویلعب الجمیع لعبه أظنها الحریه. وقال (علیه السلام):
یا هشام: مکتوب فی الإنجیل: طوبى للمتراحمین، أولئک هم المرحومون یوم القیامه. طوبى للمطهّره قلوبهم، أولئک هم المتقون یوم القیامه. طوبى للمتواضعین فی الدنیا، أولئک یرتقون منابر الملک یوم القیامه.
السلام علیک یا سیدی عیسى، السلام علیک یا رسول الله لو جئت فی هذه الأیام لرأیت العجب العجابا!! فالکثیر الکثیر من أمتک قد نسوا أو تناسوا هذه التعالیم العظیمه التی تبنى علیها المجتمعات العظیمه،والقلیل القلیل من أمتک من تمسکوا برسالتک واهتدوا بهدیک وساهموا فی بناء مجتمع سلیم، لکنهم کمن ینفخ فی رماد!!
ثم قال (علیه السلام) منوهاً بقیمه الکلام وأنواع المتکلمین.
یا هشام: المتکمون ثلاثه: فرابح، وسالم، وشاجب (۳۴).
فأما الرابح فالذاکر لله، وأما السالم فالساکت، وأما الشاجب فالذی یخوض فی الباطل، إن الله حرم الجنه على کل فاحش بذئ الکلام قلیل الحیاء لا یبالی ما قال ولا ما قیل فیه، وکان أبو ذر رضوان الله علیه یقول: (یا مبتغی العلم إن هذا اللسان مفتاح خیر ومفتاح شر، فاختم على فیک کما تختم على ذهبک وورقک).
وکما حرمت الجنه على الشاجب وفتحت أبوابها للرابح الکثیر الحیاء لذلک قال (علیه السلام): (الحیاء من الإیمان، والإیمان فی الجنه، والبذاء من الجفاء، والجفاء فی النار).
ثم قال (علیه السلام) واصفاً الدنیا على لسان السید المسیح:
یا هشام: تمثّلت الدنیا للمسیح (علیه السلام) فی صوره امرأه زرقاء فقال لها: کم تزوّجت؟
فقالت: کثیراً.
قال: فکلاًّ طلقک؟
فقالت: بل کلاّ قتلت.
قال المسیح فویح لأزواجک الباقین کیف لا یعتبرون بالماضین!!
لا ریب إن أصحاب البصائر والعقول النیّره یدرسون الماضی ویتأملون فی مجرى أحداثه، ویقدرون نتائجه فیقیسون الحاضر على ضوء الماضی فیتعظون ویعتبرون.
ثم أردف فی نصائحه لهشام فی أنواع البشر، وأیّهم أنفع وأصلح.
قال (علیه السلام): (یا هشام: لا خیر فی العیش إلا لرجلین: لمستمع واع، وعالم ناطق) .
العالم علیه أن یبوح بما یختزن فی صدره من علوم ومعارف لیفید به سائر الناس، فیکون بذلک کالنهر المتدفق یسقی عن جانبیه الحقولا.
والمستمع علیه أن یعقل ما یلقى إلیه، فیخزن فی ذاکرته کل ما سمعه من العالم، لیکون له زاد خیر یفیده عند الحاجه، لأن غذاء العقل أهم بکثیر من غذاء الجسد. وفن الاستماع لا یقلّ أهمیه عن فنّ القول.
ثم وصف (علیه السلام) نوع العلماء الذین یؤخذ منهم ویستمع إلیهم. فقال (علیه السلام):
یا هشام: أوحى الله تعالى إلى داوود (علیه السلام) قل لعبادی: (لا یجعلوا بینی وبینهم عالماً مفتوناً بالدنیا فیصدّهم عن ذکری، وعن طریق محبّتی ومناجاتی. أولئک قطّاع الطریق من عبادی، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوه محبّتی ومناجاتی من قلوبهم).
ثم حذّر (علیه السلام) من التکبّر فقال:
یا هشام: إیّاک والکبر على أولیائی، والاستطاله بعلمک فیمقتک الله فلا تنفعک بعد مقته دنیاک ولا آخرتک، وکن فی الدنیا کساکن دار لیست له إنما ینتظر الرحیل.
ثم مدح (علیه السلام) المتواضع وذمّ المتکبّر فقال: یا هشام: إن الزرع ینبت فی السهل ولا ینبت فی الصفا (۳۵) فکذلک الحکمه تعمر فی قلب المتواضع ولا تعمر فی قلب المتکبّر الجبّار، لأنّ الله تعالى جعل التواضع آله العقل، وجعل التکبّر آله الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجبه، ومن خفض رأسه استظل تحته وأکنّه، وکذلک من لم یتواضع لله خفضه الله، ومن تواضع لله رفعه.ثم استرسل (علیه السلام) فی حدیثه فقال: (وأحذر ردّ المتکبرین، فإن العلم یُذل على أن یملی على من لا یفیق).
فقال هشام: فإن لم أجد من یعقل السؤال عنها؟
فقال (علیه السلام): فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنه القول وعظیم فتنه الرد، واعلم أن الله لم یرفع المتواضعین بقدر تواضعهم ولکن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم یؤمن الخائفین بقدر خوفهم ولکن آمنهم بقدر کرمه وجوده؛ ولم یفرح المحزونین بقدر حزنهم ولکن بقدر رأفته ورحمته، فما ظنّک بالرؤوف الرحیم الذی یتودد إلى من یؤذیه بأولیائه، فکیف بمن یؤذی فیه؟ وما ظنّک بالتوّاب الرحیم الذی یتوب على من یعادیه، فکیف بمن یترضّاه، ویختار عداوه الخلق فیه.
یا هشام: من أکرمه الله بثلاث فقد لطف له؛ عقل یکفیه مؤونه هواه، وعلم یکفیه مؤونه جهله، وغنى یکفیه مخافه الفقر.
ثم زاد تحذیراً جدیداً عاماً للدنیا وأهلها.
فقال (علیه السلام): (یا هشام أحذر هذه الدنیا وأحذر أهلها، فإن الناس فیها على أربعه اصناف:
– رجل متردی معانق هواه، ومتعلم مقری کلما ازداد علماً ازداد کبراً، یستعلی بقراءته وعلمه على من هو دونه.
ـ وعابد جاهل یستصغر من هو دونه فی عبادته، یحب أن یعظَّم ویوقَّر.
ـ وذی بصیره عالم عارف بطریق الحق، یحب القیام به ولکنه عاجز أو مغلوب فلا یقدر على القیام بما یعرفه، فهو محزون مغموم بذلک وهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلاً (۳۶).
الحقیقه إننا استرسلنا فی هذه الوصیه القیمه والخالده لأنها بحر زاخر، کلّما غصنا فیه کلما ازددنا متعه وفائده. فهی من إمام معصوم ورث علم الأوصیاء عن الأنبیاء، علماً شاملاً کاملاً للدین والدنیا وللناس کافه. لقد حوت هذه الوصیه الذهبیه جمیع أصول الفضائل: فی الآداب والأخلاق وقواعد السلوک والمناهج العامه لما یصلح للحیاه الفردیه والاجتماعیه السلیمه من کل غرض أو هوى، ذلک أن الشریعه الإسلامیه هی أحکام إلهیه وما على الحاکم إلا تطبیق هذه الأحکام معتمداً على عقله المستنیر وضمیره الحیّ المستقیم.
ــــــــــــــــــــ
(۱) المؤمنون(۲۳): الآیه ۷۱٫
(۲) ص(۳۸): الآیه ۵۱٫
(۳) النساء(۴): الآیه ۱۳۵٫
(۴) النازعات(۷۹): الآیتان ۴۰-۴۱٫
(۵) الزمر (۳۹): الآیتان ۱۷-۱۸٫
(۶) سوره الزمر: الآیه ۱۸٫
(۷) سوره الأنعام: الآیه ۳۲٫
(۸) سوره الصافات: الآیات ۱۳۶-۱۳۸٫
(۹) سوره العنکبوت: الآیه ۴۳٫
(۱۰) سوره البقره: الآیه ۱۷۰٫
(۱۱) سوره البقره: الآیه ۱۷۱٫
(۱۲) راجع سوره یونس: الآیه ۴۲ والفرقان، الآیه ۴۴ والحشر، الآیه ۱۳ والبقره، الآیه ۴۴٫
(۱۳) التباین فی تفسیر القرآن، ج۱، ص۱۸۸٫
(۱۴) سوره الأنعام: الآیه ۱۱۶٫
(۱۵) سوره لقمان: الآیه ۲۵٫
(۱۶) راجع روح المعانی، ج۶، ص۴۲۳٫
(۱۷) سوره سبأ: الآیه ۱۳٫
(۱۸) سوره هود: الآیه ۴۰٫
(۱۹) سوره الأنعام: الآیه ۳۷٫
(۲۰) سوره المائده: الآیه ۱۰۳٫
(۲۱) سوره البقره: الآیه ۲۶۹٫
(۲۲) سوره آل عمران: الآیه ۷٫
(۲۳) سوره الزمر: الآیه ۹٫
(۲۴) یعنی المحکم والمتشابه من الآیات.
(۲۵) سوره ق: الآیه ۳۷٫
(۲۶) سوره لقمان: الآیه ۱۲٫
(۲۷) المجازات النبویه للشریف الرضی، ص۴۴۰، وبذلک تکون العظمه والکبریاء هما الکرامه التی یلقیها الله سبحانه على رسله القائمین بالقسط فیعظمون بها فی العیون ویجلَّون فی القلوب.
(۲۸) یعتقد أی یشتد ویستحکم.
(۲۹) سوره آل عمران: الآیه ۸٫
(۳۰) سوره التوبه: الآیه ۹۳٫
(۳۱) کلمه مروءه غیر موجوده إلا فی اللغه العربیه وتعنی: آداب نفسانیه تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجمیل العادات أو هی: کمال الرجولیه. المعجم الوسیط، ج۲٫
(۳۲) سوره الرعد: الآیه ۱۹٫
(۳۳) راجع أصول الکافی، ج۱، ص۱۳-۲۰٫ انتهت هذه الرساله على روایه الشیخ الکلینی وقد ذکر زیاده علیها الحسن بن علی الحرانی فی کتابه تحف العقول وسوف نقتطف منها بعض دررها التی أهملها الکلینی.
(۳۴) الشاجب: کثیر الکلام والهذیان.
(۳۵) الصفا: الحجر الصلد.
(۳۶) تحف العقول، ص۳۹۰-۴۰۰٫