دور الزوجه فی إسعاد الزوج

0

حول السعاده :
السعاده أجمل کلمه فی لغات العالم ، وأسمى هدف فی مسعى الإنسان فی هذه الحیاه ، وهی فی معناها الشامل : الحبور الذی ینتج عن وصول المرء إلى درجه الرضا الکامل ، والطمأنینه التامه فی أفکاره وسلوکه وعلاقاته وحاجاته من جمیع النواحی ، ولیس من الضروری أن تکون شامله عامه ، فقد یکون المرء سعیداً فی جانب ، وغیر سعید فی جانب آخر ، حیث لا ینافی ذلک کونه سعیداً فی الجمله .
وقد أضفى الإسلام على السعاده بعداً سماویاً ، لتکون السعاده الحقیقیه فی انسجام الإنسان مع نفسه ، ومحیطه فی إطار التوجیه الإلهی ، الذی یرجع الأمور جمیعاً إلى الباری تعالى ، ویعطی الأشیاء حقائقها فی أصل التکوین ، فلیست السعاده مجرد التعلم أو الطعام أو الجنس .. بل هی التعلم النافع الموصل للغایه ، والطعام الصحی المفید المحلّل ، والجنس الطاهر النظیف ، بل السعاده لیست هذه الدنیا ، بل هی الآخره بفرق هائل کبیر ، ومع ذلک حرص الإسلام على سعاده الإنسان فی هذه الدنیا ، فسخر له کل شیء ، وزوده بالوسائل التی تساعده على تلبیه حاجاته ، فکان الدین أهم هذه الوسائل التی تنیر الطریق فی ظلام العلاقات والغرائز والطبیعه ، وکان السعی والعمل هو ثمن السعاده الذی لابد من بذله لنیلها .
الأسره والسعاده :
وفی هذا السیاق لابد أن نعتبر الزواج من جمله الوسائل التی تحقق السعاده للإنسان ، وذلک نظراً لما یترتب على الزواج من منافع مختلفه للفرد وللجماعه ، ولیس أقلها شأناً قضاء حاجه الجنس ، أو الانسجام النفسی والطمأنینه التی تحصل من معایشه رفیق نبیل خلوق ، أو الأولاد الذین تستمر بهم عملیه التناسل وإعمار الحیاه ، والنموذج الجید الناتج من حسن تربیتهم وتأدیبهم ، أو غیر ذلک من الأمور التی تترتب على الزواج بنحو قطعی وقهری ، لیساهم فی السعاده مساهمه فاعله قویه ، تجعل الفرق کبیراً بین سعاده الأعزب والمتزوج ، وتوضح السر فی ذم الإسلام للعزوبه والعزاب ، ومدحه الکبیر للزواج والمتزوجین ، وقد تضافرت الأحادیث على ذلک لتبلغ حداً من المعلومیه والشهره یغنینا عن ذکرها ، ویستوقفنا من هذه الأحادیث قوله (صلى الله علیه وآله وسلّم) : (( أراذل موتاکم العزاب )) (۱) ، ذلک أن بین العزّاب أتقیاء أو علماء أو شهداء ، أفإن ماتوا عزّاباً کانوا أراذل ؟؟ !!
یبدو لی أن المراد من تعبیر (الأراذل) ، الذین لم ینالوا أمانیهم فی الدنیا ، ولا اسنجموا مع المستوى الاعتیادی للعیش فیها ، فماتوا فی مرتبه دون التی یجب أن یصلوا إلیها ، حیث من الطبیعی أن یکون المرء مکتفیاً فی عیشه غیر فقیر ، وأن یکون متزوجاً ذا أولاد ، وأن یکون وجیهاً شریفاً فی قومه وعشیرته ، وأن یکون متعلماً عارماً … وهکذا یکون المحروم من ذلک مرذولاً والحائز علیها شریفاً ، وقد یستأنس لذلک بوصف قوم نوح للذین آمنوا به ، بالأراذل فی قوله تعالى : (( وَمَا نَرَاکَ اتَّبَعَکَ إِلاَّ الَّذِینَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِیَ الرَّأْیِ )) (۲) ، فقد اعتبروهم أراذل لأنهم دون قومهم مالاً ومستوى اجتماعیاً وفکریاً .
من أجل ذلک یمکن ألقول إن الأعزب حتى لو کان مؤمناً ، وهو فی مرتبه دون المؤمن المتزوج ، تحصناً عن المحرمات ، وخبره بالنفوس ، وصبراً على البلایا ، وسعاده نفسیه ، ومن یکون دون غیره یکون مرذولاً ، أی ساقطاً وهابطاً عن المستوى الذی علیه التکوین ، والذی یحبه الله تعالى .
وکفى بهذا الحدیث دلاله على أهمیه الزواج فی الحیاه ، وعلى دوره فی تحقیق الانسجام بین الإنسان وفطرته ، ومحیطه المقتضی لحصول السعاده ، والاستقرار فی حیاته .
وهم السعاده :
وإن من جمله الأفکار المشبوهه التی دخلت مجتمعنا الإسلامی ، ولوثت أفکاره ، تمجید العزوبیه وذم الزواج والحیاه الأسریه ، سواء فی إطار الدعوه إلى الزهد والتصوف المنحرف ، أو فی إطار الدعوه إلى التحلل الجنسی والفوضى الأخلاقیه ، التی تأثر بها العدید من مثقفینا فی هذا العصر ، تقلیداً للغرب وحضارته المادیه المنحرفه ، وإذا کان ثقل المسؤولیه هو الذی یُکرّه بعض الناس بالزواج ، فإن هذا شأن ضعاف النفوس ، الذین یتخیلون السعاده بالحیاه الفارغه الرخیه ، بل هو شأن الذین لا یعرفون أن لذه الطعام واستشعار السعاده منه لا تحصل إلاّ بعد معاناه الطبخ والمضغ والهضم ، وأن لذه العلم لا تنال إلاّ بالتفکر والتعب والسهر ، فإن کانت المسؤولیه هی شرف الإنسان ، وحقیقه إنسانیته یصبح الزواج ـ کما کل شیء آخر ـ مسعداً ، بقدر ما فیه من مسؤولیه ومعاناه لذیذه ، ومعه لا عجب أن یکون الجیل الذی تخیفه مسؤولیه الزواج جیلاً ضعیفاً مهزوماً ، کما لا عجب أن تکون سمه هذا العصر وهذه الحضاره الشقاء والقلق .
ولکن بحمد الله تعالى لا یبقى هؤلاء هم النشاز أمام قوه الفطره وأصالتها ، حیث لا تزال للأسره وللزواج مکانتهما الرفیعه عند البشر ، مهما عصفت ریاح التحلل .
إسعاد متبادل :
وعلى هذا الأساس یعتبر الزواج رکناً فی سعاده الفرد ، لأنه یتیح له سد غائله الجنس بنحو هادئ وصحی ، بعیداً عن قلق المغامرات العاطفیه ، وعن قذاره العلاقه المتحلله ، وهو یتیح توازناً روحیاً ، واستقراراً فی العلاقه مع الله تعالى وشریعته ، بعیداً عن إلحاح الغرائز وإغرائها بالإشباع المحرم ، فینسد بذلک باب واسع من أبواب الوساوس الشیطانیه ، وینفتح به باب واسع من أبواب الإیمان والتقوى ، وکذلک فإن الزواج یضع الفرد أمام أخلاقه الحقیقیه ، وأمام طاقاته المخزونه فی مواجهه الحیاه ، فیتعلم فن القیاده وتحمل المسؤولیه والصبر الجمیل والحنکه وحسن التصرف ، ونحو ذلک من الأمور التی لا تظهر إلاّ عند المعاناه ومواجهه الشدائد ، ومن جهه ثانیه ، یعیش المرء ـ من خلال الزواج ـ تجربه رائعه فی التضحیه والحرص على إسعاد الآخرین ، زوجاً أو ولداً ، ولو على حساب بعض الراحه الشخصیه ، حیث تصبح هذه المسأله والنجاح فیها سر السعاده ، الذی لا یصل إلیه إلاّ الناضجون من الرجال والنساء ، وجوهر العلاقه الزوجیه الذی عبرت عنه الآیه الکریمه بـ ( السکن ) فی قوله تعالى : (( وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُم مِّنْ أَنفُسِکُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُم مَّوَدَّهً وَرَحْمَهً )) (۳) ، ولیس ( السکن ) إلاّ الطمأنینه الناتجه من حسن العشره ، القائمه على الرحمه والموده ، والتی هی عین السعاده وثمرتها .
والإسعاد لیس مطلوباً من المرأه وحدها ، بل هو عملیه متبادله ومشترکه ، یقوم کل من الزوجین بنصیبه منها تجاه الآخر ، وخلافاً لبعض الشعوب کالهنود مثلاً ، وخلافاً لما هو مرتکز ـ ظلماً وخطأ ـ فی وجدان الشعوب الإسلامیه ، فإن الإسعاد لیس واجب المرأه وحدها ، ولا حقّ الرجل وحده ، وإن تصور هؤلاء ذلک ، وذهبوا إلى ألوان من الممارسات التی تکرس هذا المفهوم ، وتجعل المرأه مجرد خادمه ساهره على راحه الزوج ، دون أن یکون لها أدنى کرامه ، ودون أن یعتنی بسعادتها أبداً ، وهذا خلافاً لتعالیمنا الإسلامیه السمحاء .
فالإسلام یعتبر الزواج عهداً متبادلاً ، یُحمِّل کلاًّ من الزوجین مسؤولیه تجاه شریکه ، ویصفه بـ (المیثاق الغلیظ) ، ویعتبره سکناً لنفس الزوج ونفس الزوجه ، وعاملاً لسعادتهما ، کما مر فی الآیه السالفه ، ویرتب الإسلام على کل من الزوجین واجبات ، ویضمن له حقوقاً ، حیث تؤکد الآیه الکریمه أن : (( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِی عَلَیْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَیْهِنَّ دَرَجَهٌ )) (۴) واحده فقط ، وفی إطار الأخلاق والشریعه تعطى المرأه من الحقوق مثلما یعطى الرجل ، لیبدو من جمیع ذلک ، أن الرجل لیس قطب الرحى فی الحیاه الزوجیه ، وکما من حقه أن یسعد فی هذه الحیاه ، کذلک من حق الزوجه بنفس المرتبه .
ونحن فی هذا البحث لا نرید أن نکرس ذلک المعنى الجاهلی المنحرف ، بل نرید أن نخص دور المرأه فی إسعاد زوجها ، لنعود فی بحث آخر للحدیث عن دور الزوج فی إسعاد زوجته ، ومن أجل بعض الاعتبارات الأخرى ، التی سوف تظهر خلال المعالجه .
دور المرأه فی إسعاد الزوج :
والحقیقه أن السعاده التی یستشعرها الرجل فی عالم الزواج ، وبرفقه امرأه صالحه ؛ لا تعدلها سعاده أخرى ، غیر لذه الإیمان وحلاوته ، وقد ورد التصریح فی بعض الروایات ، بأن من أسباب السعاده الزوجه الصالحه (۵) ، ولا عجب فی ذلک ، فإن الوحده الموحشه والشخصیه غیر الناضجه ؛ موجبه للشقاء واضطراب العلاقات ، بینما یکون الأنس بشریک متفهم ، یُعین على الدین والدنیا ، ویزرع البسمه والحیویه فی أرجاء البیت ، یکون هذا الشریک من موجبات السعاده وأرکانها .
ولعل من نافله القول التذکیر بأن انسجام العلاقه بین الزوجین هو جوهر السعاده الزوجیه ، وهذا الانسجام لن یحصل ؛ إلاّ إذا رأى الزوج فی زوجته معیناً له فی متاعبه ، ومقدراً لآماله ومزاجه ، وحریصاً على بذل الخیر فی سبیله ، وعند ذلک یشعر الرجل بالطمأنینه والسعاده .. عندما یتوفر له الجو الذی یدفعه لتحقیق آماله فی الحیاه بعزیمه وقوه ، بحیث یحسن إنتاجه ویعظم دوره کلما خلا قلبه من الشواغل ونفسه من القلق ، ومن ثم فإن الرجل السعید لابد أن تشارکه زوجته فی شرف الدور ، وضخامه الإنجاز بمقدار ما تکون قد هیأت له الظروف المناسبه ، لیکون ـ فعلاً ـ وراء کل رجل عظیم ، إمرأه .
والمرأه قادره على توفیر السعاده للرجل بکل جد وإخلاص وقوه ؛ لأنها عندما تحب زوجها فسوف تشتد فی التضحیه أمامه ، بسبب ما فی تکوینها النفسی من مخزون عاطفی عظیم ، یجعل معظم همها فی الرجل ، بحیث أن مدار حیاه المرأه وعواطفها وأعظم غایاتها أن تقترن برجل یحبها وتلد منه وتعیش فی کنفه ، وهذا الهم یغلب حتى على الإیمان عند معظم النساء ، إلاّ من رحم ربی من النساء المؤمنات القانتات ، وقد ورد التصریح بذلک فی روایه عن الإمام علی (علیه السلام) : ((خلق الرجال من الأرض ، وإنما همهم فی الأرض ، وخلقت المرأه من الرجال ، وإنما همها فی الرجال .. )) (۶) ، وهو حدیث واقعی تماماً ، فإن المتزوجین یعرفون أن مدار حیاه المرأه هو زوجها ، بینما همه الرجل التی تملک أقطار نفسه هی (الأرض) أی الحیاه ، وما فیها من شؤون متنوعه .
فإذا کان الأمر کذلک فإنه نقطه إیجابیه جداً فی صالح الرجل وسعادته ، ومفید فی توجیه العاطفه الغریزیه المختزنه عند المرأه تجاه الزوج ، الذی لابد أن یحسن العشره ویستفید من هذه النزعه ، کذلک فإنها سوف تساعد المرأه على الأنس بحیاه المنزل ، والرغبه فی تهیئه أسباب الراحه للرجل ، لیس فی إطار الخدمات فحسب ؛ بل حتى فی إطار التهیؤ لزوجها العائد لتقدم له ما یجب ، وهو أمر قد لا تقدر علیه المرأه إذا غرقت فی الحیاه العامه ، وصارت همتها مثل الرجل فی (الأرض) .
إذن ، کون همتها فی الرجل ، وغزاره عاطفتها ، وأنسها بحیاه البیت ، هی التی تضفی تمیزاً على دور المرأه فی إسعاد زوجها ، ربما أکثر من قدره الزوج على إسعادها بنفس الدرجه ، وإن کان هذا الواقع النفسی ـ ذاته ـ هو الذی سوف یؤثر سلباً على سعاده الرجل عند إفراط المرأه فی الانسیاق مع هذا الواقع .
للبحث صله …
ــــــــــــــ
(۱) وسائل الشیعه، ج ۱۴، ص ۶٫
(۲) هود: ۲۷٫
(۳) الروم: ۲۱٫
(۴) البقره: ۲۸۸٫
(۵) وسائل الشیعه، ج ۱۴، ص ۲۳٫
(۶) المصدر نفسه ، ج ۱۴ ، ص ۴۱٫ والتصریح فیه بأن المرأه قد خلقت من الرجل ، وهو موضوع یطول الکلام فیه . والظاهر أن المعنى هنا من قبیل الرمز ، حیث یظهر من بعض الأحادیث نفی ذلک ، وتأکید أن المرأه خُلقت من الطین مثل الرجل .

Leave A Reply

Your email address will not be published.