التأصیل العقائدی

0

من الأمور المهمه فی تکوین الذهنیه الإسلامیه بأبعادها وطوائفها ومدارسها المختلفه المسائل العقائدیه، وهذه المسائل خصوصاً هی التی بلورت وشکلت المذاهب المختلفه، والتوجهات المختلفه فی المذهب الواحد، وکل ذلک الاختلاف والتعدد یعود إلى المصدر المعتمد علیه فی أخذ العقائد. ومع أن العقائد تشکل الرکیزه الأساس فی تصور وتبلور الفکر التمذهبی الواحد إلا أن ما بذل بإزائه بحثاً وتنقیحاً فی داخل المدرسه الواحده لا یشکل «1%» مما ألف وبُحث ونُقّح فی الفقه والمسائل الفقهیه.
ولعل من أهم العوامل لذلک ما یسمى بالمسلمات والضرورات التی شکلت حاجزاً منیعاً یصعب اختراقه والنظر فیه، فلجأ من یرغب البحث والتحقیق إلى الفقه وغیره تجنباً من وقوع التصادم ومخافه مخالفه المسلمات والضرورات.
وعلى کل حال، البحث فی المسائل العقائدیه من الأمور التی ینبغی على الفرد المسلم تعلمها والاهتمام بها ورعایه تحصیلها – طالب علم کان أو غیره -، وذلک لأسباب عدیده نوجزها فیما یلی:
۱ – إن أول ما یطلب من المرء معرفه العقیده کما قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): «أَوَّلُ الدِّینِ مَعْرِفَتُهُ، وَکَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِیقُ بِهِ، وَکَمَالُ التَّصْدِیقِ بِهِ تَوْحِیدُهُ» [نهج البلاغه ج۱/۱۴].
۲ – إن المسائل العقائدیه عرضه للکذب والدس والتزویر أکثر من المسائل الفقهیه، بناء على ما هو المعروف أن إحدى دواعی الوضع والکذب قامت على خلفیه النزاع الکلامی ومحاولات الانتصار المذهبی.
۳ – إن الخلل فی المسائل العقدیه أکثر خطوره من الخلل فی المسائل الفقهیه «الأحکام الشرعیه» والسلوک الشخصی.
ومن هنا نتساءل: ما هو الطریق الأمثل لأخذ العقائد والاعتماد علیها سواء أکان لطالب العلم أو لغیره؟
ربما یتصور بعضهم أن مجرد الحصول على روایه کافٍ فی الاعتماد على ذلک وعقد القلب على تلک القضیه لمجرد وجودها فی تلک الروایه، ولکن ذلک غیر صحیح؛ فإنه لا یمکن الاعتماد على روایه الآحاد فی المسائل العقائدیه لأنه قلَّ أن تجد روایه لا یوجد مخالفها، أو أن لها نحو خلاف مع القرآن إما بعموم مطلق أو من وجه أو تباین.
الأصل فی أخذ العقائد:
الصحیح أن المعتقدات لها ثلاثه مصادر رئیسه:
[العقل، القرآن الکریم، السنه القطعیه «قول المعصوم وفعله وتقریره»]
أما العقل فنقصد به العقل القطعی وهو حجه بذاته، وإن إثبات الله والنبی إنما یکون عن طریقه لا العکس – والإمامه والمعاد یکونان تبعاً للإیمان بالنبوه -. والدین لم یساعد على إبطال رأی العقل، بل أیده ودعمه، فالمعارف الکلیه العقائدیه معطیات عقلیه، وما جاء فی النصوص الدینیه فی هذا المجال إنما کان إرشاداً إلى حکم العقل، فالعقل القطعی هو صاحب المیدان فی المجال العقائدی.
وقد صرح الکِتاب بإمضاء نظر العقل وبذلک مَنَحَه الحجیه فلا تعارض بین العقل والکِتاب.
أما القرآن فهو المصدر الوحید الذی یعتمد علیه الإسلام فی کل تفرعات العقیده، وهو المستند القطعی للنبوه المحمدیه عموماً ودوماً وهو مصدر الفکر الدینی، وظواهره الدلالیه حجه معتبره، وهذا القرآن هو الذی یمنح سائر مصادر المعرفه الدینیه حجیتها واعتبارها.
فالقرآن الکریم هو المصدر الأول لمعرفه العقائد فقد استعرض العقائد الإسلامیه الرئیسه بشکل واضح ومکثف کالتوحید والنبوه والمعاد وما یتعلق بها، فلا بد أن تؤخذ العقیده منه، فإذا لم نجد ذلک واضحاً انتقلنا إلى السنه.
والانتقال إلى السنه باعتبار توجیه النبی (صلى الله وعلیه وآله) لها کما ورد فی حدیث الثقلین المتواتر:
«یا أیها الناس، إنی قد ترکت فیکم أمرین لن تضلوا ما تمسکتم بهما: کتاب الله وعترتی أهل بیتی، فإنه قد عهد إلی اللطیف الخبیر أنهما لن یفترقا حتى یردا علی الحوض».
ولکن السنه المعتبره فی العقائد کما هو متفق علیه عند علماء الطائفه – إلا من شذَّ منهم – هی السنه القطعیه المتواتره لما لغیرها من الخطر فی الاعتماد علیها وعقد القلب بها.
ضروره العوده للقرآن:
إن أهم المشاکل الرئیسه فی الخلافات العقائدیه – سنه وشیعه أو داخل المذهب الواحد – تکمن فی أمرین:
۱ – تغلیب السنه على القرآن الکریم.
۲ – الوضع والکذب على أهل البیت خصوصاً والإسلام عموماً.
مع أن أهل البیت (علیهم السلام) ومن خلال الروایات الآمره بالتمسُّک بالقرآن وأنّه المرجع فی کلّ ما یعترض المسلمین من بلایا وفتن، ومن خلال الحث على عرض کل ما جاء عنهم على القرآن حاولوا أن یؤسسوا مرجعیه القرآن العقائدیه، ولکن فی الوقت الذی قال أحدهم «حسبنا کتاب الله» قال بعضهم «حسبنا سنه رسول الله» – على فرض کونها سنه – ویضربون بالقرآن عرض الحائط.
لذا فإننا نعتقد إن أی قضیه ومسأله عقائدیه لا بد أن تکون أسسها وقواعدها مأخوذه من القرآن. وعلیه فالحل لمثل هذا الخلاف العقدی العوده للقرآن ودراسه الجوانب العقائدیه من خلاله، وعرض کل ما یخالف القرآن.
ومن هنا نقول: یجب أن تعرض کل المعتقدات والأفکار والمعارف العقائدیه على القرآن لأنه ﴿ تِبْیَاناً لِکُلِّ شَیْءٍ ﴾ «النحل: من الآیه۸۹» فما خالف القرآن من المعتقدات فهو زخرف ویضرب به عرض الحائط، وما وافق کتاب الله فهو صحیح یمکن الاعتماد علیه وبناء المنظومه العقائدیه التی تتطابق مع الفکر القرآنی الأصیل منه. وعلى هذا یجب أن یکون الکتاب میزاناً للحق والباطل فیما ینسب إلى العقیده من طرق الروایات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.