الصلاه والصوم فی المناطق القطبیه
إذا فرض کون المکلّف فی المکان الّذی نهاره ستّه أشهر ولیله ستّه أشهر أو نهاره ثلاثه ولیله ستّه أو نحو ذلک، ففی المسأله فروع:
۱٫ المدار فی صومه وصلاته على البلدان المتعارفه المتوسطه مخیّراً بین أفراد المتوسط.
۲٫ احتمال سقوط تکلیفهما عنه .
۳٫ سقوط الصوم وکون الواجب صلاه یوم ولیله واحده.
۴٫ کون المدار بلده الذی کان متوطّناً فیه سابقاً، إن کان له بلد سابق.
ولا یخفى سقوط الوجوه الثلاثه الأخیره.
أمّا سقوط التکالیف والفرائض بالمرّه فهو ممّا لا یحتمل أبداً.
أمّا وجوب صلاه یوم ولیله فهو أیضاً مثل السابق، مع عدم تحقّق الدلوک فیما إذا کانت اللیله طویله.
وأمّا الأخیر فلعلّ وجهه الاستصحاب، لکنّه انتقض بالعبور على المناطق التی تختلف فیها اللیالی والأیام بالنسبه إلى وطنه قبل أن یصل إلى المناطق القطبیه، والصالح للبحث هو الوجه الأوّل الذی لم یستبعده صاحب العروه، وإلیک تحقیق المقام، و یتوقف على ذکر أُمور:
الأوّل: أنّ لکلّ بلد طولاً وعرضاً جغرافیاً، فالأوّل عباره عن مقدار القوس العمود من خط نصف النهار «غرینتش» إلى نصف نهار البلد. فمقدار المسافه بینهما هو طول البلد.
وأمّا العرض الجغرافی، فهو عباره عن مقدار القوس العمود من خط الاستواء إلى ذلک البلد. فمقدار المسافه بینهما هو عرض البلد.
وبما أنّ خط الاستواء دائره تنصِّف الکره الأرضیه إلى نصفین، وبتبعه ینتصف هذا العرض الجغرافی إلى شمالی وجنوبی، فمقدار القوس من خط الاستواء إلى أن ینتهی إلى القطب الشمالی ۹۰ درجه، ومثله القوس الممتد بین خط الاستواء إلى القطب الجنوبی.
الثانی: المناطق الواقعه بین خط الاستواء وأحد القطبین تختلف درجتها حسب بعدها عن خط الاستواء إلى أن ینتهی إلى درجه ۶۷، فالمناطق الواقعه تحت ذلک العرض تعد مناطق معتدله حیث تتمتع بلیل ونهار مده ۲۴ ساعه وإن کانا یختلفان طولاً وقصراً.
وأمّا المناطق الواقعه فوق ۶۷ درجه، إلى ۹۰ درجه فهی مناطق قطبیه یختلف فیها طول اللیل والنهار حسب بعدها عن المناطق المعتدله، وتشترک هذه المناطق فی أنّها تتمتع إمّا بنهار طویل أو لیل طویل بنحو ربما یصل نهارها إلى سته أشهر و لیلها کذلک کلّما اقتربنا من الدرجه ۹۰ .
فما اشتهر على الألسن من أنّ طول النهار أو اللیل فی البلاد القطبیه مطلقاً سته أشهر لیس صحیحاً على إطلاقه وإنّما یختص بالنقاط المتاخمه إلى الدرجه التسعین، و أمّا المناطق الواقعه بین هذه الدرجه والدرجه ۶۷ فیختلف طول النهار واللیل حسب قربها وبعدها، وإن کان الجمیع یتمتع بطول النهار أو اللیل.
الثالث: قد عرفت أنّ بعض المناطق القریبه من الدرجه ۶۷ تتمتع بلیل ونهار ضمن ۲۴ ساعه و ربما یکون لیله۲۲ ساعه ونهاره ساعتین وربما یکون بالعکس، فسکان هذه المناطق وإن طال نهارها أو لیلها مکلفون بالفرائض حسب نهارهم ولیلهم، حسب مشرقهم ومغربهم فیصومون ۲۲ ساعه ویقیمون الفرائض الیومیه فی ضمن ساعتین، ولا مناص لنا من هذا القول، ولا یمکن لنا إجراء حکم النهار فی اللیل أو بالعکس، إنّما الکلام فی المناطق الواقعه فوق هذه الدرجه التی یمرّ علیها ۲۴ ساعه ولیس فیها لیل أو نهار، وهذه هی المسأله مورد البحث.
الرابع: المتبادر من کلمات الفقهاء فی تلک المسأله هو أنّ اللیل والنهار غیر متمیزین فی المناطق القطبیه، وأنّ الزمان إمّا نهار فقط أو لیل فقط، ولذلک اختلفت کلماتهم فی کیفیه إقامه الفرائض فیها. وأنّه کیف یمکن أن نصلّی المغرب والعشاء والشمس فی السماء، أو نقیم الظهر والعصر والوقت ظلام دامس؟!
ولذلک طرحوا فرضیات قد عرفت حالها، وبقی ما اقترحه صاحب العروه ، و هو کون المدار فی صومه وصلاته على البلدان المتعارفه المتوسطه مخیراً بین أفراد المتوسط.
مثلاً یکون المقیاس مقدار النهار واللیل فی المناطق المعتدله فی ذلک الفصل والتی یکون مقدار اللیل والنهار فیها غیر قصیر وإن بلغ النهار إلى ۱۶ ساعه واللیل إلى ۸ ساعات فی بعض الفصول. فیصوم بمقدار نهار المناطق المعتدله ویصلّی الظهرین، ویفطر بمقدار لیلها ویصلی فیها صلاه المغرب والعشاء. وعلى ذلک یجب أن یراعى مقدار اللیل والنهار فی کلّ فصل من فصول السنه فی المناطق المعتدله البعیده عن المناطق القطبیه.
أقول: أوّلاً: ما هو الوجه لاختیار البلدان المتعارفه المتوسطه وترجیحها على البلاد القریبه من تلک المنطقه التی تتمتع بلیل ونهار وإن کان أحدهما أقصر والآخر أطول فی ضمن ۲۴ ساعه؟
وثانیاً: انّ العلم بمقدار نهار المناطق المعتدله فی الفصل الخاص أمر صعب المنال ولا یمکن أن یکون مثل ذلک مناطاً لعامه الناس عبْر القرون، خصوصاً قبل تطور وسائل الاتصال السلکیه واللا سلکیه، والإسلام دین البساطه والسهوله.
إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم:
الصلاه فی المناطق القطبیه على المختار
إنّ المناطق القطبیه تتمتع فی عامّه الفصول بلیل ونهار وإن کانت تختلف کیفیه اللیل والنهار عن المناطق المعتدله، وبذلک تنحلّ العقده، ویظهر ذلک فی البیان التالی.
إذا کان النهار أطول من اللیل وممتداً إلى شهر أو شهرین إلى أن یصل إلى سته أشهر، فرائدنا فی تمییز النهار عن اللیل هو الشمس، حیث إنّ حرکتها فی تلک المناطق حسب الحس حرکه رحویه حیث تدور حول الأُفق مره واحده ضمن ۲۴ ساعه بأوج وحضیض، فتبدأ حرکتها من الشرق إلى جانب الغرب فی خط قوسیّ، وکلّما ارتفعت الشمس وسارت إلى الغرب ازداد ظلّ الشاخص إلى أن یصل إلى حدّتتوقف فیه الزیاده ثمّ ینعکس الأمر ویحدث فی جانب الشرق، وعند ذلک تصل الشمس فی تلک النقطه إلى نصف النهار، ویعلم بذلک أوقات الظهر والعصر، ثمّ تأخذ الشمس بالسیر فی هذا الخط المنحنی إلى أن تنخفض نهایه الانخفاض وإن لم تغرب ثمّ تبدأ بالحرکه من الغرب إلى الشرق وعند ذاک، یدخل اللیل إلى أن تنتهی فی حرکتها إلى النقطه التی ابتدأت منها.
ویُعد قُبیل وصولها إلى نقطه الشرق أوّل الفجر.
وعلى ذلک فحرکه الشمس هی رائدنا فی العلم بأوّل النهار ووسطه وأوّل اللیل وبدء الفجر. ولا یتصوّر أنّ ذلک استحسان منّا، بل الجو یؤید ذلک، وهو انّه إذا بدأت الشمس بالحرکه من الشرق إلى أن تنتهی إلى جانب الغرب یکون الجو مضیئاً جداً کنهار المناطق الاعتدالیه، وعند ما انخفضت الشمس إلى جانب الغرب وبدأت بالحرکه من الغرب إلى الشرق یمیل الجو إلى الغبره والظلمه الخفیفه، ولذلک یتعامل سُکّان تلک المناطق بالحرکه الأُولى للشمس معامله النهار وبالحرکه الثانیه معامله اللیل، فیقیمون أعمالهم فیها وینامون فی الثانیه.
وعلى ذلک فلیس الوضع الجوی على وتیره واحده ضمن ۲۴ ساعه، بل یتغیر من الإضاءه إلى الغبره، أو من الإضاءه الشدیده إلى الضعیفه، وما ذلک إلاّ لأنّ الحرکه الأُولى تلازم وجود النهار فی المناطق المعتدله، کما أنّ الحرکه الثانیه تلازم وجود اللیل فیها أیضاً. غیر أنّ میلان مرکز دوران الأرض حول نفسها مقدار ۵/۲۳ درجه سبَّب لأن تخیِّم الشمس علیها فی بعض الفصول مده مدیده لا ترى لها غروباً وإن کنت ترى لها ارتفاعاً وانخفاضاً.
هذا کلّه إذا ظلّ النهار مدّه مدیده.
وأمّا إذا انعکس بأن غمر اللیلُ تلک المناطق مده مدیده إلى أن ینتهی إلى سته أشهر، فیعلم حکمه ممّا ذکرناه فی الصوره الأُولى، فإنّ الشمس وإن کانت تغرب عن تلک المناطق على مدى مده طویله لکن لیست الظلمه على نمط واحد، بل تتضاءل تاره وتزداد أُخرى، فزیادتها آیه سلطه اللیل فی المناطق المعتدله کما أنّ تضاؤلها علامه سلطه النهار علیها کذلک، وبذلک یمکن أن نمیز النهار عن اللیل حیث إنّ الزمان (۲۴ ساعه) ینقسم إلى ظلمه دامسه(بحته) وظلمه داکنه أی (مزیجه بالنور الضئیل)، فیعد ظهور الظلمه الدامسه لیلاً لهم، وتکون بدایته أوّل وقت المغرب ثمّ العشاء. فإذا بدت الظلمه الداکنه التی یخالطها نور ضئیل فیعد فجراً لهم، وتستمر هذه الحاله ساعات إلى أن تحل الظلمه الدامسه، فهذا المقدار من الساعات یعد نهاراً لهم فیصام فیه، کما أنّ وسطه یعد ظهراً لهم فیقیمون الظهر والعصر.
فتبیّن من ذلک أنّ المناطق القطبیه أو القریبه منها على أنحاء ثلاثه:
الأوّل: أن یوجد اللیل والنهار بشکل متمیز وإن کانا غیر متساویین ولکنّ هناک شروقاً وغروباً، فیؤدی الفرائض النهاریه عند الشروق، واللیلیه عند الغروب و إن کان قصیراً.
الثانی: إذا کان هناک نهار طویل سواء بلغ سته أشهر أو لم یبلغ، فبما أنّ الشمس مرئیه وحرکتها رحویه ، فإذا بدأت بحرکتها من الشرق إلى الغرب یعدّ نهاراً، وإذا وصلت إلى دائره نصف النهار یعدّ ظهراً، وإذا تمت الحرکه الشرقیه وأخذت بالاتجاه إلى جانب الغرب یعد لیلاً، فإذا تمت الحرکه الغربیه وبدأ بالحرکه إلى جانب الشرق فهو أوّل فجرهم، وبذلک تتم الدوره النهاریه واللیلیه فی ۲۴ ساعه.
الثالث: اللیل الطویل فالشمس وإن کانت غیر مرئیه فیها، لکن الظلمه لیست على نسق واحد، بل هی بین ظلمه دامسه وظلمه داکنه، فعندما تسود الأُولى یحسب لیلاً لهم وتکون بدایته أوّل صلاه المغرب والعشاء، وإذا بدأت بالظلمه الداکنه وظهر بصیص من النور یحسب أوّل الفجر، فإذا خفّت الظلمه یعد نهاراً لهم إلى أن یعود إلى الحاله السابقه.