القرآن ینصّ على الإمامه

0

إنّ القرآن لم یفقد هدایته للإمامه لکی نلتجئ إلى القول بتحریفه ، بل القرآن یهدی إلیها بالصراحه والنص . وقبل أن نطلعک على الآیات التی صرّحت بالإمامه ، لابد من التنبیه على مفهوم الإمام ، وما هو المراد منه فی القرآن الکریم ؟ وإلیک إیجازاً فی ذلک :
عُرّف الإمام فی اللغه : بالإنسان الذی یؤتمّ به ویقتدى بقوله أو فعله محقّاً کان أو مبطلاً (۱) ، وبهذا المعنى جاء قوله تعالى : ( یَوْمَ نَدْعُوا کُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِیَ کِتَابَهُ بِیَمِینِهِ فَأُولئِکَ یَقْرَءُونَ کِتَابَهُمْ وَلاَ یُظْلَمُونَ فَتِیلاً ) (۲) ، وقوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا أَئِمّهَ الْکُفْرِ إِنّهُمْ لاَ أَیْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ یَنتَهُونَ ) (۳) .
أمّا الإمام الحق فی الإسلام فهو الهادی إلى سبیل الله بأمر منه عزّ وجل ، سواء کان إنساناً ، کما فی قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِیمَ رَبّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّی جَاعِلُکَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّیَتِی قَالَ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظّالِمِینَ ) (۴) ، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (۵) .
أم کان کتاباً ، کما فی قوله تعالى : ( وَمِن قَبْلِهِ کِتَابُ مُوسَى‏ إِمَاماً وَرَحْمَهً ) (۶) .
ومن حصیله هذه النصوص القرآنیه یتضح أنّ من شروط الإمام الحق فی القرآن الکریم ؛ إن کان کتاباً فلابد أن یکون منزلاً من قبل الله تعالى على رسله لهدایه الناس ، کما کان ذلک شأن کتاب خاتم الأنبیاء محمد (صلّى الله علیه وآله) ، ومن قبله کتاب موسى (علیه السلام) ، وذلک أیضاً شأن سائر کتب الأنبیاء (علیهم السلام) . وإن کان إنساناً فلابد أن تکون إمامته مجعوله من قبل الله تبارک وتعالى ، کما فی قوله تعالى : ( إِنّی جَاعِلُکَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) (۷) وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (۸) وکذلک لابد أن یکون هذا الإنسان غیر ظالم لنفسه ولا لغیره ، أی منزّه عن عصیان الله تعالى کما هو مقتضى قوله تعالى : ( لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظّالِمِینَ ) (۹) ، وإطلاق الظالمین شامل لکل ظلم سواء کان على الغیر ، أو على النفس ، وکل معصیه صغیره أو کبیره تُعد ظلماً ، لا یصلح مرتکبه لهذا المقام الشامخ ، ومن أبرز مصادیق الظلم هو الشرک بالله وعباده غیره حیث قال تعالى : (إِنّ الشّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ ) (۱۰) .
وبذلک یتضح أنّ الإمام فی الاصطلاح القرآنی هو : الإنسان المعصوم من الذنوب والمجعول من قِبَل الله تعالى لهدایه الناس .
الکتاب المنزل من قِبل الله تعالى على رسله لهدایه الناس .
هذا إیجاز ، وتفصیله قد ذُکر فی الجواب عن الشبهه السابقه ؛ فراجع .
وإذا اتضح ذلک ، نذکر لک جدوله سریعه على سبیل الاختصار لبعض الآیات القرآنیه التی هدت وأرشدت إلى الإمام والإمامه ، وصرّحت بهما ، والتی ترسم وتحدد معالم أطروحه الإمامه فی القرآن الکریم :
قوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِیمَ رَبّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّی جَاعِلُکَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّیَتِی قَالَ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظّالِمِینَ ) (۱۱) ، ومن الواضح من لحن الآیه وسیاقها أنّ الله تعالى جعل إبراهیم إماماً فی أواخر عمره الشریف ، بعد أن کان نبیّاً ورسولاً وخلیلاً ، فکیف یقال إنّ القرآن لا یهدی إلى الإمامه ؟!! .
قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَکَانُوا بِآیَاتِنَا یُوقِنُونَ ) (۱۲) ، فإنّ هذه الآیه تدلّ على أنّ الإمامه جعل وتنصیب من قِبل الله تعالى .
۳ ـ قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّهً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَیْنَا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الْخَیْرَاتِ ) (۱۳) .
۴ ـ قوله تعالى : ( وَنُرِیدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّهً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ ) (۱۴) .
۵ ـ قوله تعالى : ( یَا أَیّهَا الّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا الله وَأَطِیعُوا الرّسُولَ وَأُولِی الأَمْرِ ) (۱۵) ، وهذه الآیه تشرح مفهوم الإمامه وتشبعه إشباعاً رائعاً ، حیث قرنت طاعه أُولی الأمر بطاعه الله تعالى ، ممّا یکشف عن أنّ هذه الولایه متفرّعه عن ولایه الله وولایه الرسول (صلّى الله علیه وآله) ، وهی شاهد على أنّ الولایه والإمامه ، وقیاده الناس لیس من صلاحیتهم ولا بتنصیبهم ؛ لأنّ ما هو اللازم علیهم المتابعه والانقیاد فی ذلک وحسب ، وعلى هذا الأساس نقول أیضاً : کیف أنّ القرآن لا یهدی إلى الإمامه ؟!! .
۶ ـ قوله تعالى : ( إِنّمَا وَلِیّکُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِینَ آمَنُوا الّذِینَ یُقِیمُونَ الصّلاَهَ وَیُؤْتُونَ الزّکَاهَ وَهُمْ رَاکِعُونَ ) (۱۶) ، وتحتشد فی هذه الآیه الکریمه دلالات کثیره لإثبات الإمامه ، وبشکل خاص إمامه علی بن أبی طالب (علیه السلام) ، وهذا ما نجده واضحاً عندما نرجع إلى مصادر الفریقین فی هذا المجال ، وملاحظه الروایات الوارده فی شأن نزول الآیه المبارکه (۱۷) .
۷ ـ قوله تعالى : (یَا أَیّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَیْکَ مِن رَبّکَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النّاسِ … ) (18) ، حیث تکشف هذه الآیه بشکل صریح وواضح النقاب عن أهمّیّه وجود الإمام بعد الرسول (صلّى الله علیه وآله) ، وإنّ عدم وجود الإمام بعد الرسول (صلّى الله علیه وآله) یساوق انتفاء الرساله ( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ یَعْصِمُکَ مِنَ النّاسِ ) ، فلولا الإمامه یغدو کل شیء وکأنّه لم یکن ، أی لا یبقى نسیج متماسک للإسلام ، بل یهوی ویتمزّق ، وأروع ما یرشدنا إلى اهتمام القرآن بالإمامه هو التعبیر الذی ورد فی الآیه المبارکه بإکمال الدین ورساله الله تعالى ، ورضاه عزّ وجلّ بالإسلام دیناً بعد تنصیب الرسول (صلّى الله علیه وآله) لعلی (علیه السلام) خلفاً وإماماً بعده ، حیث قال تعالى : ( الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإِسْلاَمَ دِیناً ) (۲۰) .
فهذه لمحه عامه تکشف عن اهتمام القرآن بالإمامه ، فهل بعد هذا کلّه یمکن أن یقال : إنّ القرآن الکریم لا یهدی إلى الإمامه ؟!! .
————————————————
(۱) لسان العرب ، ابن منظور : ج ۱۲ ص ۲۴ ـ ۲۵ .
(۲) الإسراء : ۷۱ .
(۳) التوبه : ۱۲ .
(۴) البقره : ۱۲۴ .
(۵) الأنبیاء : ۷۳ .
(۶) هود : ۱۷ .
(۷) البقره : ۱۲۴ .
(۸) الأنبیاء : ۷۳ .
(۹) البقره : ۱۲۴ .
(۱۰) لقمان : ۱۳ .
(۱۱) البقره : ۱۲۴ .
(۱۲) السجده : ۲۴ .
(۱۳) الأنبیاء : ۷۳ .
(۱۴) القصص : ۵ .
(۱۵) النساء : ۵۹ .
(۱۶) المائده : ۵۵ .
(۱۷) انظر : الدر المنثور ، السیوطی : ج ۳ ص ۱۰۵ ـ ۱۰۶ ؛ تفسیر المنار ، محمد رشید رضا : ج ۶ ص ۴۶۳ ؛ تنزیل الآیات : ص ۵۴ ؛ التهذیب فی التفسیر : ج ۳ ص ۱۰۶ ؛ توضیح الدلائل : ص ۱۵۸ ؛ مودّه القربى : ص ۵۵ ؛ ینابیع المودّه : ج ۱ ص ۱۱ ـ ۱۲ ، ص ۳۴۷ ـ ۳۴۸ ، الفصول المهمّه : ص ۱۱۷ ـ ۱۱۸ ؛ تفسیر الثعلبی : ج ۴ : ص ۸۰ ـ ۸۱ ؛ أسباب النزول ، الواحدی : ص ۱۵۳ ؛ أرجح المطالب : ص ۶۷ ، ص ۲۰۳ ؛ مناقب المغازلی : ص ۱۸ ؛ تفسیر القرطبی : ج ۲ ص ۷۳ ـ ۷۴ ، وغیرها من المصادر .
(۱۹) المائده : ۶۷ .
(۲۰) المائده : ۳ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.